لم يعد ممكناً التعامل مع الجزائر، في السياق الأوروبي والفرنسي تحديداً، بوصفها مجرد دولة “صعبة” أو شريكًا متقلبًا وغير موثوق في ملفات الهجرة والذاكرة والدبلوماسية. المعطيات التي تراكمت خلال العامين الأخيرين ترسم صورة أكثر قتامة: دولة أُدرجت رسميًا ضمن البيئات عالية المخاطر في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ودولة بات اسمها يُذكر داخل فرنسا في سياق ملفات “إرهاب دولة”، لا في سياق خلاف سياسي عادي. وعندما تجتمع هذه المؤشرات الرقابية والقضائية معًا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يُشدَّد التوصيف تجاه الجزائر؟ بل: لماذا تأخر هذا التشديد أصلًا؟
لنبدأ من النقطة التي لم تعد محل جدل: الجزائر مصنفة أوروبيًا دولة عالية المخاطر. هذا ليس استنتاجًا صحفيًا ولا خصومة سياسية، بل نص قانوني أوروبي منشور في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي. اللائحة المفوضة (EU) 2025/1184 أضافت الجزائر إلى قائمة “الدول الثالثة عالية المخاطر” في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبمجرد أن يصل الاتحاد الأوروبي إلى هذا الاستنتاج، فإن أي محاولة لتلطيف الصورة أو تصوير الأمر كحملة دعائية تفقد معناها. الدولة التي تحتاج إلى تشديد رقابي أوروبي بسبب قصور استراتيجي في مكافحة تمويل الإرهاب هي، بحكم التعريف، دولة تمثل خطرًا على المجال المالي والأمني الأوروبي.
ولم يأت هذا التصنيف الأوروبي من فراغ. مجموعة العمل المالي FATF كانت قد وضعت الجزائر تحت المراقبة المتزايدة، موضحة أن هذا المسار يخص الدول التي تعمل على معالجة “أوجه قصور استراتيجية” في أنظمتها الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل الانتشار. والأسوأ أن بقاء الجزائر في هذا الإطار الرقابي الدولي يعني أن الخلل ليس حادثًا عابرًا، بل بنية مؤسسية لم تُقنع بعد الهيئات الدولية بأنها عالجت مكامن الخطر. هنا لا يعود الحديث عن “صورة مشوشة” أو “سوء فهم سياسي”، بل عن تقييم دولي تقني متكرر يعتبر أن المنظومة الجزائرية ما زالت تستدعي الحذر والرقابة المشددة.
لكن الأخطر من ملف التمويل هو ما يطفو على السطح الآن في فرنسا: الانتقال من لغة التوتر السياسي إلى لغة الاشتباه الأمني الثقيل. رئيس النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب، أوليفييه كريستن، قال بوضوح إن هناك ثماني قضايا جارية تتعلق بما وصفه بـ“إرهاب الدولة”، وأن بعضها يرتبط بالجزائر إلى جانب دول مثل إيران وروسيا. مجرد أن تدخل الجزائر هذا التصنيف اللغوي داخل مؤسسة الادعاء المختصة بمكافحة الإرهاب في فرنسا، فهذا وحده كافٍ لإسقاط الرواية التقليدية التي تصر على أن كل ما يجري ليس سوى أزمة دبلوماسية عابرة. حين يتحدث القضاء المختص بلغة “إرهاب الدولة”، فالمسألة لم تعد تحتمل المجاملة السياسية.
قد يقال، دفاعًا عن الجزائر، إن هذه الملفات ما زالت قيد التحقيق، وإنه لا يجوز القفز من الاشتباه إلى الإدانة. وهذا من حيث المبدأ صحيح. لكن الدول لا تُدار فقط بمنطق الأحكام النهائية؛ بل أيضًا بمنطق الاحتراز الأمني. أوروبا لا تنتظر انفجار الخطر حتى تعترف به، ولا يُفترض بها أن تتجاهل الإشارات حين تتراكم من جهات رقابية وقضائية متوازية. فإذا كانت المؤسسات الأوروبية تقول إن الجزائر بيئة مالية عالية المخاطر في ملف تمويل الإرهاب، وإذا كانت النيابة الفرنسية تضع اسمها داخل ملفات “إرهاب دولة”، فإن الحد الأدنى من المسؤولية يفرض الانتقال من المجاملة الدبلوماسية إلى الصرامة السياسية.
المشكلة أن باريس ما تزال تحاول الإمساك بالعصا من الوسط. فمن جهة، يقر الخطاب الرسمي الفرنسي بضرورة التعامل مع الجزائر بـ“الحزم” و“من دون سذاجة”، ومن جهة أخرى يواصل الحديث عن علاقة “متوازنة وبنّاءة”. هذا الخطاب قد يكون مفهومًا دبلوماسيًا، لكنه يبدو أقل بكثير من مستوى الوقائع المتراكمة. فالعلاقات “البنّاءة” تُبنى مع شركاء يمكن الوثوق بمنظوماتهم الأمنية والمالية، لا مع دولة يضعها الاتحاد الأوروبي على قائمة المخاطر العالية وتُذكر داخل فرنسا في قضايا مرتبطة بـ“إرهاب الدولة”. المشكلة ليست في أن الخطاب الفرنسي صار قاسيًا؛ المشكلة أنه ما زال، رغم كل شيء، أكثر ليونة مما تسمح به المعطيات.
صحيح أن فرنسا والاتحاد الأوروبي لا يملكان، بصيغتهما الحالية، قائمة مطابقة تمامًا للنموذج الأمريكي الخاص بـ“الدول الراعية للإرهاب”. لكن هذا الاعتراض الشكلي لم يعد كافيًا للتهرب من الجوهر. فالنقاش هنا ليس حول الاسم القانوني فقط، بل حول طبيعة السلوك الذي يستوجب الردع. وعندما تتوافر ثلاثة عناصر معًا، قصور استراتيجي في مكافحة تمويل الإرهاب، إدراج أوروبي رسمي ضمن الدول عالية المخاطر، وظهور اسم الدولة في ملفات “إرهاب دولة” داخل فرنسا، فإن أي سياسة لا ترفع مستوى التعامل الأمني مع هذه الدولة تكون سياسة إنكار، لا سياسة واقعية.
من هنا، يصبح القول بضرورة تصنيف الجزائر أمنيًا بوصفها دولة عالية المخاطر ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل نتيجة منطقية لمعطيات رسمية. بل إن الجدل حول الاقتراب من مستوى “رعاية الإرهاب” لم يعد بدوره شططًا خطابيًا كما كان يُصوَّر سابقًا، لأن الذي فتح الباب لهذا التوصيف ليس الإعلام، بل المؤسسات نفسها: أوروبا رقابيًا، وفرنسا قضائيًا. وإذا كانت الدولة الجزائرية ترى أن هذا التقدير جائر، فعبء الإثبات لم يعد على من يحذّر منها، بل عليها هي: أن تُثبت، بالممارسة المؤسسية لا بالشعارات، أنها لم تعد مصدر قلق في ملف التمويل، ولا موضع شبهة في ملفات العنف السياسي العابر للحدود.





