samedi 28 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
منبر أنفاس

احماد وفروخ: مشروع المؤسسات الرائدة في النظام التربوي المغربي... دراسة نقدية بيداغوجية بين الطموح الإصلاحي و"الانبطاح"

احماد وفروخ: مشروع المؤسسات الرائدة في النظام التربوي المغربي... دراسة نقدية بيداغوجية بين الطموح الإصلاحي و"الانبطاح" احماد وفروخ

السياق العام:

يأتي مشروع المؤسسات الرائدة في النظام التربوي المغربي بوصفه أحد الرهانات الأساسية لإعادة بناء المدرسة العمومية، في ظل التقارير الوطنية والدولية التي أكدت تراجع التعلمات الأساس لدى التلميذات والتلاميذ وفق ما أشار إليه تقرير البنك الدولي بأنه شروع يسعى إلى تجريب نموذج تربوي شامل يزاوج بين البيداغوجبا الإصلاحية والحكامة الفعالة (1).

أولا: مرتكزات المشروع:

قبل الخوض في مرتكزات مشروع المؤسسات الرائدة، لا بد من الإشارة، منذ البداية، إلى أن تناول هذا الورش الإصلاحي بالتحليل الشامل يتطلب مساحة أوسع ومعطيات ميدانية أدق، وهو ما لا يسمح به الإطار الحالي للمقال. لذلك سيتم الاقتصار على عرض أبرز الخطوط العريضة والمرتكزات الأساسية التي يقوم عليها المشروع، مع تجنب الدخول في التفاصيل التقنية والتنظيمية التي تُعد مجالا لبحوث مستقلة بذاتها.

ورغم هذا الاختصار المنهجي، سيظل التركيز موجها نحو أهم عناصر القوة ومكامن الإشكال، خصوصا ما يتعلق بالبعد التربوي والبيداغوجي من جهة، وبكيفية تنزيل المشروع داخل الفضاء المدرسي من جهة ثانية.

أ‌. التكوين المستمر: يعتمد المشروع على التكوين المستمر باعتباره المدخل الأساس لتحسين جودة التدريس، ذلك انسجاما مع الأدبيات البيداغوجية الحديثة التي ترى أن المدرس المتجدد معرفيا هو رافعة حقيقية لجودة المدرسة (2).

ب‌.تأهيل المؤسسات وتوفير العدة الرقمية: يركز المشروع على توفير فضاء تربوي يستجيب لحاجيات التلميذات والتلاميذ النفسية والاجتماعية، ويضمن شروط التعليم الجاد، بعيدا عن كل اشكال الارتجال أو الخطابات التربوية التي تفرغ المؤسسة التعليمية من رسائلها الحقيقية. إنه فضاء مجهز بالوسائل الرقمية، وهو توجه تدعمه تقارير اليونسكو حول ضرورة التحول الرقمي في التعليم .

ت‌. التعليم الصريح والدعم التربوي: يعتمد المشروع على التعليم الصريح الذي أثبت نجاعته في تحسين التعلمات الأساس وفق دراسة مركز كارنيغي. وهو تقديم المعرفة والمهارات بشكل مباشر وممنهج، عبر خطوات تشمل النمذجة، والتفسير، والتدرب الموجه، ثم الممارسة المستقلة. وهو نمط فعال خصوصا في المواد الأساسية (اللغات، والرياضات والعلوم)، حيث يحتاج التلميذ إلى بناء فهم مضبوط ومتدرج.

وترتبط فعاليته أكثر حين يُدمج مع الدعم التربوي الممتد الذي يوفر تعويضا منهجيا للتعثرات، ويتيح للتلميذات والتلاميذ إعادة بناء التعلمات الأساس عبر تمارين مكثفة ومراقبة دقيقة للتقدم. وبهذا يشكل التعليم الصريح مع الدعم الممتد مقاربة تكاملية تعزز اكتساب الكفايات الجوهرية وتمكن التلميذات والتلاميذ من تجاوز صعوباتهم بثبات ونجاح.

ث‌.  تفعيل الحياة المدرسية: اعتبر المشروع أن تفعيل الأنشطة الموازية والرياضية جزء من الرؤية التربوية التي تؤكد أن التعليم الشامل لا يقتصر على الدرس داخل الأقسام الدراسية، بل يمتد إلى تنمية شخصية المتعلم .

ج‌. الانفتاح على المحيط: يروم المشروع تعزيز التواصل وبناء جسور بين المدرسة ومحيطها، عبر تنظيم الأبواب المفتوحة والمنتديات المهنية، وهو ما ينسجم مع المقاربة المجتمعية المعتمدة دوليا .

ثانيا: منتدى المدرس 2025/2026 ومفهوم الانبطاح

في تدوينة متداولة مواقع التواصل الاجتماعي حول إحدى دورات/ مداخلات منتدى المدرس، برزت مفارقة غير مسبوقة؛ حيث تمت الإشارة إلى "المتعة" و"الانبطاح" في القسم الدراسي. فإذا كان المفهوم الأول مقبولا دراسيا/ أكاديميا في سياق التعليم النشط، فإن الثاني لا يمت بصلة لأي مرجع بيداغوجي، ولا نعلم مدرسة بيداغوجية عالمية صنفته واعتمدته كنهج تربوي، ولا أي منشور دولي وضعه ضمن استراتيجيات الرفع من التحصيل الدراسي. وليس هذا فقط، بل لم يُذكر حتى في دراسات باولو فريري .

لكن يبدو أن من وردت على لسانه في المنتدى، قي لحظة حماس أو ربما "سهو وظيفي"، قرر إضافة بهارات لغوية إلى القاموس التربوي الوطني.  وهنا نطرح سؤالا مشروعا: كيف يغفل المنتدى -الذي كان يفترض أن يقدم نتائج دقيقة حول أداء التلميذات والتلامي: مستويات القراءة، تعثرات الرياضيات، مؤشرات التردد والنتائج- كل ذلك، ويعوضه بمفاهيم تصلح لبرامج المنوعات أكثر من ملتقيات علمية؟

ثم إن استعمال هذه المصطلحات يكشف، بشكل غير مباشر، شيئا أهم: معايير اختيار المشاركين والمتدخلين. فبدل اعتماد خبراء البيداغوجيا، ومدرسين متمرسين، وباحثين ذوي إنتاج علمي، نجد أحيانا معايير من قبيل: المجاملات المهنية، علاقات شخصية، الظهور الإعلامي... بدل القيمة التربوية والانتقاء العملي الرصين.

وهذا لا يسيء فقط لصورة المنتدى، بل ينعكس سلبا على مشروع الريادة نفسه، لأنه يفرّغ فضاء يفترض أن يكون منصة للنقاش العلمي من محتواه، ويحوله إلى مناسبة للبهرجة اللغوية بدل التفكير في أزمة التعلمات.

خاتمة وتوصيات:

قد لا نختلف حول مشروع المؤسسات الرائدة باعتباره مبادرة قوية وواعدة، قائمة على مرتكزات علمية واضحة، وذات قدرة على إحداث تحول في جودة التعلمات. إلا أن نجاحه يستلزم انسجاما بين الممارسات البيداغوجية داخل المؤسسات، وبين التمثلات والخطابات داخل الفضاءات التواصلية مثل منتدى المدرس. لهذا نوصي بضرورة:

-تعزيز الانتقاء الموضوعي للمشاركين والمتدخلين في المنتديات التربوية اعتمادا على الخبرة، والبحث التربوي، والممارسة الصفية؛

-الابتعاد عن المفاهيم غير العليمة التي تُفقد النقاش جديته وتسيء لصورة الممارسة؛

-ربط جميع الأنشطة التربوية ببيانات الأداء الدراسي الحقيقية: نسب التحكم، صعوبات التلميذات والتلاميذ، مؤشرات التحسن؛

-إرساء منظومة تقييم مستقلة لمؤسسات الريادة لضمان الشفافية والموضوعية؛

-تحويل المنتديات إلى مختبرات تفكير تعالج جذور التعثر، بدل إغراقها في عبارات فضفاضة لا تمت لعلم التربية بصلة...

وفي الختام، وبوصفنا باحثا تربويا راكم من التجربة والتحليل ما يكفي لملامسة الإشكالات التعليمية، نؤكد أن أي مشروع إصلاحي -مهما بلغت طموحاته- يظل رهين بصرامة التنزيل، ونزاهة الاختيار، وجدية النقاش العلمي.

إن المؤسسة التعليمية اليوم ليست في حاجة إلى شعارات براقة أو مفاهيم دخيلة، بقدر حاجتها إلى وضوح الرؤية، وقوة التأطير، وجرأة التشخيص. وحدهُ الاشتغال الرصين، المستند إلى معطيات علمية وممارسات صفية حقيقية، يمكن أن يضمن لإصلاحنا التربوي أن يكون في مستوى انتظارات المجتمع وتحديات المرحلة.