mardi 12 mai 2026
كتاب الرأي

بنسعيد الركيبي: المواطن والفضاء العمومي.. أية علاقة؟

بنسعيد الركيبي: المواطن والفضاء العمومي.. أية علاقة؟ بنسعيد الركيبي

يشكل الفضاء العمومي مرآة حقيقية لطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة وبين الفرد والمجتمع، لأنه المجال الذي تتقاطع داخله الحقوق بالواجبات، والحرية بالمسؤولية والاستعمال الفردي بالمصلحة الجماعية. فالشارع والساحة والحديقة والرصيف، ووسائل النقل والمرافق الجماعية، كلها فضاءات لصناعة العيش المشترك، واختبار مستوى الوعي المدني داخل المجتمع.

ففي المجتمعات التي نجحت في بناء ثقافة مدنية متقدمة، تحول الفضاء العمومي إلى امتداد للقيم الجماعية، حيث يحترم المواطن الملك المشترك كما يحترم بيته الخاص، ويتعامل مع الشارع باعتباره جزءا من كرامته اليومية. وهناك يصبح احترام الطابور والمحافظة على النظافة، وعدم احتلال الأرصفة واحترام الراجلين والتقيد بقواعد المرور، سلوكات تلقائية تعكس نضجا مجتمعيا عميقا. أما حين تضعف العلاقة التربوية بالمجال العمومي، فإن الفضاء يتحول تدريجيا إلى ساحة للفوضى والتنازع والاستحواذ.

يحتل البعض الأرصفة باعتبارها ملكا خاصا، ويحول آخرون الشوارع إلى مواقف عشوائية، بينما تستبيح فئات أخرى الحدائق والساحات بالتخريب أو الضجيج أو الاستغلال غير القانوني. عندها يصبح الفضاء العمومي ضحية لتراجع الحس الجماعي، وغياب فكرة الحق المشترك لصالح منطق القوة أو الأسبقية أو التحايل.

والإشكال في العمق يرتبط بثقافة المواطنة أكثر مما يرتبط بالقوانين وحدها. فالقانون يستطيع أن يعاقب، لكنه لا يصنع وحده مواطنا يحترم المجال المشترك. إن المدرسة، والمسجد، والأسرة، والإعلام، والجمعيات، ومؤسسات التنشيط والتربية، كلها مطالبة ببناء علاقة تربوية جديدة مع الفضاء العمومي تقوم على الإحساس بالانتماء والمسؤولية الجماعية. فالطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام الحديقة العمومية، وعدم رمي الأزبال والمحافظة على الممتلكات المشتركة، يصبح في المستقبل مواطنا أكثر وعيا بحقوق الآخرين.

كما أن الدولة بدورها تتحمل جزءا من المسؤولية حين تهمل الفضاء العمومي أو تتركه دون صيانة أو تنظيم أو عدالة مجالية. فالمواطن الذي يعيش في أحياء تفتقر إلى الحدائق والإنارة، والممرات ومناطق الترفيه، قد يفقد تدريجيا شعوره بقيمة المجال المشترك. لذلك فإن جودة الفضاء العمومي تساهم بشكل مباشر في إنتاج السلوك المدني أو في إضعافه.

لقد تحول الفضاء العمومي اليوم إلى أحد أبرز مؤشرات التحضر. فطريقة استعمال الشارع واحترام الراجلين، والتعامل مع الضجيج والمحافظة على المرافق، كلها تفاصيل صغيرة ظاهريا، لكنها تكشف مستوى الوعي الجماعي داخل المجتمع. لهذا فإن معركة إصلاح الفضاء العمومي ليست معركة إسمنت وتجهيزات بقدر ما هي معركة تربية وثقافة وقيم أيضا.

إن بناء علاقة صحية بين المواطن والفضاء العمومي يمر عبر الانتقال من منطق الاستهلاك الفردي للمجال إلى منطق الشراكة الجماعية في حمايته وتطويره. فالمدينة التي يحترم سكانها فضاءها المشترك تصبح أكثر إنسانية، وأكثر أمنا وأكثر قدرة على إنتاج الإحساس الحقيقي بالمواطنة.