في خضم التحولات التي يعرفها قطاع التعليم بالمغرب، برزت في الآونة الأخيرة مجموعة من المبادرات والمنتديات التي تُقدم للرأي العام على أنها فضاءات للنقاش وتبادل الرؤى حول واقع المدرسة العمومية وآفاق إصلاحها. غير أن المتتبع لهذه الفعاليات لا يسعه إلا أن يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام نقاش حقيقي يعكس تعددية الفاعلين التربويين، أم أمام عرض مُحكم الإخراج لتسويق صورة معينة؟
من حيث الشكل، تبدو هذه المنتديات منظمة بعناية، من حيث الإخراج والبرمجة ونوعية الحضور، لكن هذا التنظيم المحكم، بدل أن يعكس جدية في الطرح، يثير أحيانًا شبهة الانتقائية. هل هو تمثيل حقيقي يعكس مختلف الخبرات والتجارب، أم أنه اختيار يُراعي الانسجام مع خطاب معين؟
أما من حيث المضمون، فيلاحظ هيمنة خطاب موحد يميل إلى الدفاع عن السياسات القائمة، بل وتقديمها في صورة مثالية في حين يُغيب النقاش حول الإكراهات اليومية التي يعيشها المدرس داخل القسم: الاكتظاظ، ضعف البنية التحتية، ضغط المناهج، وتحديات التلميذ في سياق اجتماعي واقتصادي معقد. هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد سهو، بل يعكس خللًا في تصور وظيفة المنتدى نفسه.
إن أي إصلاح تعليمي جاد لا يمكن أن يقوم على خطاب أحادي أو على تلميع الواقع بل يتطلب أولًا الاعتراف بالاختلالات، وفتح المجال أمام أصوات متعددة، بما فيها تلك التي تختلف أو تنتقد. فالأستاذ الذي يعيش تفاصيل القسم يوميًا، ليس مجرد واجهة تُستدعى لتأكيد نجاح السياسات، بل هو فاعل أساسي ينبغي الإنصات إليه بصدق.
بهذا المعنى، يتحول المنتدى من فضاء للنقاش إلى أداة للتواصل السياسي، تُستثمر فيه رمزية “المدرس” لتأكيد سردية جاهزة عن نجاح الإصلاح. وهو ما يضعف ثقة الفاعلين التربويين، ويعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المنتديات بالشكل ذاته، بل إلى فضاءات حقيقية للنقاش، تُبنى على الشفافية، والتعددية، والجرأة في طرح الإشكالات الحقيقية للقطاع و إيجاد حلول ملموسة و على رأسها ضرورة التنفيذ الفوري لكافة الاتفاقات السابقة( 26 أبريل 2011 و 26 دجنبر 2023) و لكل بنود النظام الأساسي الجديد دون تحايل أو تسويف.
الإصلاح الحقيقي لقطاع حيوي كقطاع التعليم لا يمكن أن يتم في قاعات مغلقة بخطاب موحد، بل يبدأ من الاعتراف بأن المدرسة العمومية تواجه تحديات حقيقية، وأن المدرس ليس مجرد متلقٍ للقرارات، بل شريك أساسي في صياغتها.
وفي غياب هذه الشروط، ستظل مثل هذه المبادرات عرضة للتأويل، وسيبقى السؤال معلقًا: هل الهدف هو الإصلاح، أم فقط تحسين الصورة؟
حنان الفاضل ، عضوة اللجنة الإدارية للجامعة الوطنية للتعليم FNE


