لم يعد الحديث عن التنمية في المغرب ممكنًا بمعزل عن البرامج التنموية المندمجة، التي قُدمت منذ دستور 2011 كخيار استراتيجي لتجاوز أعطاب المقاربات التقليدية. فقد جاء هذا التحول في سياق وُسم برغبة واضحة في القطع مع السياسات القطاعية المجزأة، وتعويضها برؤية شمولية قائمة على التكامل والتنسيق بين مختلف المتدخلين. ومن الناحية النظرية، يبدو هذا الاختيار متقدمًا، بل ومنسجمًا مع أفضل الممارسات الدولية في مجال التخطيط الترابي. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نجحت هذه البرامج فعلًا في تحقيق ما وعدت به، أم أنها ظلت حبيسة النصوص والتصورات؟
لا شك أن السياق الذي أفرز هذه البرامج كان يحمل مبررات قوية. فدستور 2011 لم يكتفِ بالتنصيص على مبادئ عامة، بل وضع أسسًا واضحة للحكامة الترابية، من خلال إقرار الجهوية المتقدمة، وتعزيز أدوار الجماعات الترابية، والتنصيص على الديمقراطية التشاركية. غير أن الانتقال من النص إلى الممارسة كشف عن مفارقة أساسية: فبينما توسعت الاختصاصات على الورق والمتون، ظلت الإمكانيات والقدرات على الأرض محدودة. وهو ما جعل البرامج التنموية المندمجة تُبنى في كثير من الأحيان في ظل اختلال بنيوي بين الطموح والوسائل.
من جهة أخرى، فإن الرهان على هذه البرامج كان يرتبط بتجاوز ضعف النجاعة الذي ميز السياسات العمومية السابقة. لكن الواقع يُظهر أن إشكالية الالتقائية، التي كانت في صلب مبررات اعتماد هذه المقاربة، لم تُحل بشكل جذري. فما زال تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات يفرزان نوعًا من الارتباك في التنفيذ، بل أحيانًا تنافسًا غير معلن بين المؤسسات، بدل التكامل المنشود. وهو ما يطرح تساؤلًا حقيقيًا حول مدى قدرة الدولة على فرض منطق التنسيق في منظومة إدارية تقليدية تميل بطبيعتها إلى الاشتغال بشكل عمودي.
أما على المستوى الاجتماعي، فصحيح أن بعض المؤشرات عرفت تحسنًا نسبيًا، خاصة ما يتعلق بتراجع الفقر، غير أن هذا التحسن يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا. إذ لا تزال الفوارق المجالية صارخة، حيث يتركز الفقر بشكل كبير في العالم القروي، وتستأثر جهات معينة بالنصيب الأكبر من الاستثمارات. وهذا يعني أن البرامج التنموية المندمجة، رغم أهميتها، لم تنجح بعد في إحداث تحول حقيقي في بنية التفاوتات، بل يمكن القول إنها خففت من حدتها دون أن تعالج جذورها.
الأمر نفسه ينطبق على سوق الشغل، حيث تكشف الأرقام عن استمرار معدلات بطالة مرتفعة، خصوصًا في صفوف الشباب. وهو ما يطرح إشكالًا عميقًا يتعلق بمدى قدرة هذه البرامج على خلق دينامية اقتصادية حقيقية، بدل الاكتفاء بتمويل مشاريع ذات أثر محدود أو ظرفي. فالتنمية المندمجة، في جوهرها، ليست فقط تنسيقًا بين القطاعات، بل هي أيضًا قدرة على إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل، وهو ما لا يزال يشكل تحديًا قائمًا.
ولا يمكن إغفال جانب الحكامة، الذي يُعد حجر الزاوية في نجاح هذه البرامج. فرغم التنصيص الدستوري على الديمقراطية التشاركية، فإن مشاركة المواطنين والمجتمع المدني لا تزال في كثير من الأحيان شكلية أو محدودة التأثير. كما أن آليات التتبع والتقييم تعاني من ضعف واضح، مما يجعل من الصعب قياس الأثر الحقيقي لهذه البرامج أو مساءلة المسؤولين عنها.
في المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية هذا الورش، لأنه يمثل خطوة ضرورية في مسار تحديث الدولة. غير أن إنجاحه يقتضي مراجعة عميقة لآليات التنزيل، تقوم على تقوية قدرات الجماعات الترابية، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز التنسيق الفعلي بين المتدخلين، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في كيفية توزيع الاستثمارات، بما يضمن تحقيق العدالة المجالية، وليس فقط تحسين المؤشرات العامة.
في النهاية، يمكن القول إن البرامج التنموية المندمجة في المغرب تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تتحول إلى أداة حقيقية لإعادة تشكيل المجال الترابي على أسس أكثر عدلًا ونجاعة، أو أن تظل مجرد إطار نظري متقدم يصطدم بإكراهات الواقع. والرهان، في جوهره، ليس تقنيًا فقط، بل هو رهان سياسي ومؤسساتي يعكس مدى قدرة الدولة على ترجمة اختياراتها الدستورية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
عبد الحي الغربة، أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء


