samedi 28 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: أمريكا وحروب الشرق الأوسط.. هل يعاد إنتاج سيناريو العراق في إيران؟

يوسف لهلالي: أمريكا وحروب الشرق الأوسط.. هل يعاد إنتاج سيناريو العراق في إيران؟ يوسف لهلالي

منذ الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، ترسخ لدى المتابعين والفاعلين في الشرق الأوسط إدراك عميق مفاده أن السرديات التي تسبق الحروب لا يمكن الوثوق بها، وأن مفهوم “الحروب الخاطفة والمحدودة” ليس سوى غطاء سياسي وإعلامي لعمليات عسكرية مفتوحة على سيناريوهات معقدة وغير محسوبة. فقد أثبتت التجربة العراقية أن القرارات التي تُصنع في واشنطن وتل أبيب غالبًا ما تتجاهل ليس فقط توازنات المنطقة، بل أيضًا إرادة الدول التي تتحمل لاحقًا كلفة هذه الحروب على أراضيها وأمنها واستقرارها.

لقد كشفت تلك الحرب عن نمط متكرر في إدارة الأزمات الدولية، حيث تُبنى التدخلات العسكرية على معطيات استخباراتية مشكوك فيها، وتُسوّق تحت عناوين الأمن والاستقرار، بينما تفضي عمليًا إلى تفكيك الدول، وتغذية الإرهاب، وخلق موجات نزوح تمتد آثارها إلى ما وراء الشرق الأوسط، لتطال أوروبا نفسها التي وُضعت أمام الأمر الواقع دون مشاركة فعلية في القرار.

في هذا السياق، يبرز الموقف الإسباني، حيث عبّر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن رفضه الصريح لأي مغامرة عسكرية جديدة خارج إطار الشرعية الدولية، محذرًا من إعادة إنتاج أخطاء الماضي، لا سيما تجربة العراق التي قامت على “أدلة مفبركة” وأدت إلى نتائج كارثية. كما أشار إلى مخاطر التصعيد الإسرائيلي في المنطقة، معتبرًا أن توسيع دائرة الصراع ليشمل جبهات أخرى، كلبنان، قد يفتح الباب أمام انفجار إقليمي شامل.

غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في قرار الحرب، بل في التحولات العميقة التي طرأت على بنية التحالفات الغربية نفسها. فخلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل سياسات دونالد ترامب، برزت فجوة متزايدة بين الولايات المتحدة وأوروبا، سواء على مستوى الرؤية للأمن الدولي أو القيم السياسية. إذ لم تعد “الشراكة الأطلسية” قائمة على أرضية مشتركة كما في السابق، بل أصبحت محل تشكيك حتى داخل مؤسساتها، في ظل توجه أمريكي يميل إلى الأحادية وإعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية بشكل يتجاوز الحلفاء التقليديين.

هذا التحول يتجلى أيضًا في إعادة صياغة مفهوم “التهديد”، حيث لم تعد واشنطن تضع القوى الكبرى كالصين وروسيا في صدارة المخاطر، بقدر ما تركز على قضايا داخلية الطابع، مثل حرية التعبير في أوروبا، وهو ما يعكس انزياحًا في الخطاب السياسي الأمريكي نحو دعم التيارات الشعبوية واليمينية، الأمر الذي أربك العواصم الأوروبية وأفقدها القدرة على استيعاب اتجاهات السياسة الأمريكية الجديدة.

في المقابل، تبدو تداعيات أي مواجهة محتملة مع إيران أكثر تعقيدًا من التجارب السابقة، نظرًا لتشابك المصالح الإقليمية والدولية. فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أي تصعيد عسكري لن يظل محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، بل قد يمتد ليشمل دول الخليج، التي تجد نفسها مرة أخرى في موقع المتلقي للضربات، رغم كونها خارج دائرة القرار.

وفي هذا الإطار، تتحرك قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان ومصر لاحتواء التصعيد، إدراكًا منها لحجم المخاطر التي قد تطال استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي، خاصة في ظل هشاشة أسواق الطاقة واعتماد الاقتصاد الدولي على إمدادات الخليج. كما تسعى هذه الأطراف، بشكل غير مباشر، إلى تجنيب واشنطن نفسها الانزلاق في مواجهة قد تتحول إلى مأزق استراتيجي جديد، شبيه بما حدث في العراق وأفغانستان.

أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة: فهي من جهة حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى الأكثر تعرضًا لتداعيات أي صراع مع إيران، سواء من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية أو تعطيل صادرات الطاقة. هذا الواقع يفرض عليها إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية، والانتقال من موقع التبعية الأمنية إلى بناء قدرات ذاتية وتحالفات إقليمية أكثر توازنًا.

السيناريوهات المطروحة تتراوح بين مسارين: الأول دبلوماسي، يقوم على التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران يراعي مصالح الأطراف الإقليمية، بخلاف اتفاق 2015 الذي تم دون إشراك فعلي لدول الخليج؛ والثاني تصعيدي، ينذر باستهداف منشآت النفط والغاز والبنى التحتية، ما قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الاقتصاد العالمي.

في المحصلة، لا يكمن الخطر فقط في اندلاع حرب جديدة، بل في تكرار النموذج نفسه الذي أثبت فشله: قرارات أحادية، حسابات قصيرة المدى، وتجاهل ممنهج لتعقيدات المنطقة. وبينما تسعى القوى الإقليمية إلى تفادي الأسوأ، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل استوعبت واشنطن دروس العراق، أم أنها بصدد إعادة إنتاجها في سياق أكثر خطورة وتعقيدًا؟