vendredi 27 mars 2026
كتاب الرأي

مصطفى يخلف: قرار هيئة الاستئناف بالكاف.. اجتهاد قضائي يتجاوز منطق النتيجة

مصطفى يخلف: قرار هيئة الاستئناف بالكاف.. اجتهاد قضائي يتجاوز منطق النتيجة مصطفى يخلف

لا يمكن اختزال القرار الصادر عن هيئة الاستئناف داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم في مجرد تحديد الفائز والخاسر في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، لأن ذلك يُفرغ القرار من مضمونه القانوني العميق ويختزل واقعة مركبة في نتيجة رياضية سطحية.

 

فالوقائع التي رافقت المباراة النهائية لا يمكن تجاهلها عند أي تكييف قانوني سليم، وعلى رأسها:
• الأوامر المتكررة والحاسمة للمدرب السنغالي للاعبين بمغادرة أرضية الملعب؛
• دخوله شخصياً إلى وسط الميدان وإصراره العلني على الانسحاب؛
• محاولات لاحقة لإعادة اللاعبين بعد توقف المباراة، في مشهد يوحي بارتباك القرار أكثر مما ينفي واقعة الانسحاب؛
• ثم التصريحات اللاحقة لمسؤولي الجامعة السنغالية، التي تفيد بأن ما وقع لم يكن وليد اللحظة، بل يدخل ضمن تصور مسبق.

 

هذه العناصر مجتمعة تجعلنا أمام واقعة قانونية مركبة، لا أمام مجرد “توقف مؤقت” أو حادث عرضي، بل أمام انسحاب مادي ومعنوي تتوافر فيه إرادة واضحة لتعطيل سير المباراة.

 

ومن هنا، فإن قراءة القرار في بعده الصحيح تقودنا إلى استنتاج جوهري:
لسنا أمام نتيجة مباراة، بل أمام اجتهاد قضائي رياضي يؤسس لمرحلة جديدة في تدبير النزاعات داخل المنظومة الكروية الإفريقية.

 

فالقرار الصادر عن هيئة الاستئناف جاء ليسد فراغاً تنظيمياً طالما طبع حالات الانسحاب أو تعطيل المباريات، وهي وضعيات ظلت لسنوات خاضعة للتأويل، مما فتح الباب أمام ممارسات تمس بنزاهة المنافسة وتكافؤ الفرص.

 

وفي هذا الإطار، ينسجم هذا القرار مع التوجه الذي كرسه محكمة التحكيم الرياضي، حيث أصبحت السوابق الاجتهادية وسيلة أساسية لتطوير القانون الرياضي، كلما عجز النص عن استيعاب حالات واقعية جديدة أو معقدة.

 

إن توصيف الانسحاب باعتباره إخلالاً جوهرياً بقواعد المنافسة، وترتيب جزاء الهزيمة الاعتبارية وسحب اللقب، لا يمكن اعتباره عقوبة تعسفية أو ظرفية، بل هو تطبيق مباشر لمنطق قانوني صارم قوامه:
• حماية نزاهة المنافسة
• ضمان تكافؤ الفرص
• ومنع أي شكل من أشكال التحايل على قواعد اللعبة

 

وبهذا المعنى، فإن القرار يحمل رسالة واضحة لكل الفاعلين داخل المنظومة الكروية:
احترام سير المباراة واستكمالها ليس خياراً تكتيكياً، بل التزام قانوني يترتب عن الإخلال به جزاء محدد وصارم.

إننا، إذن، أمام تحول نوعي في الفقه القضائي الرياضي الإفريقي، عنوانه الانتقال من منطق “تدبير النتائج” إلى منطق “حماية الشرعية الرياضية”.

 

وبقدر ما يعالج هذا القرار واقعة محددة، فإنه يؤسس في العمق لقاعدة عامة مفادها أن سيادة القانون داخل الملاعب لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت واقعاً مؤطراً بجزاءات واضحة.

 

إنه ببساطة إعلان صريح عن نهاية مرحلة “الفوضى الرياضية”، وبداية ترسيخ حقيقي لدولة القانون داخل المنافسات الإفريقية.