jeudi 26 mars 2026
مجتمع

عبدالرحمان بوكيرو: ​نهضة نسوية مبكرة في فكيك ​ورجاء إلى وزير الداخلية

عبدالرحمان بوكيرو: ​نهضة نسوية مبكرة في فكيك ​ورجاء إلى وزير الداخلية الجيل النسوي الطلائعي يثبت قدرة المرأة على التكيّف والمواطنة الواعية

​خاتمة، عائشة، آمنة، أم الخير، خديجة، نايتا، مّاما، فالة؛ هن نساء فكيكيات رائدات، شكّلن ابتداءً من خمسينات القرن الماضي جيلاً نهضوياً نسوياً طليعياً، أثبت بالملموس أن المرأة الفكيكية، وأن النساء الفكيكيات، المتمدرسات منهن، وغير المتمدرسات، عاقلات منفتحات، قادرات على التكيّف السريع مع الظروف المستجدة والمتطلبات الحديثة. وقد تبيّن من خلال الأجيال النسوية اللاحقة التي أعقبت هذا الجيل الطلائعي، بأنه لا شيء في الحياة المعاصرة صعب على نسائنا؛ لقد برعْنَ في مهن مختلفة ونافسن الرجال في المجالات السياسية والجمعوية، وتألّقن في عدد من الأنشطة، بما فيها الرياضة. ينطبق هذا على النساء اللواتي بقين في الواحة، واللواتي هاجرن إلى المدن المغربية الأخرى، واللواتي التحقن بأزواجهن خارج الوطن. ومن جهة أخرى، فإن انخراط المرأة الواعي والإرادي بحراك فكيك دليل على أنها مواطنة مسؤولة تفكر في ما تفعل، وتفعل ما تريد؛ لا مجرد فرد يتأثر ويتبع، ولا يريد أن يفهم.
 

​لقد تأسفتُ كثيراً عندما قرأتُ في بداية الحراك مقالاً لم يَرَ صاحبه إلا ذلك الرداء الأبيض الذي كانت ترتديه النساء في بعض تظاهرات الحراك؛ فرأى فيه دليلاً على النزعة المحافظة لساكنة فكيك، حسب زعمه ؟ هذا تضليل إعلامي سافر، وتشويه متعمد للحقائق: هذا الرداء الأبيض اسمه "أسميرض"، وهو لا يرمز إطلاقاً لأي توجه إيديولوجي أو سياسي أو عقائدي محافظ، ولا علاقة له، لا من بعيد ولا من قريب، بالنقاب الأسود ولا بالشادور ولا بالبرقة، ولا بأي ثوب يُلبَس تحت الضغط والإكراه؛ هو لباس تقليدي محليّ أصيل، مثله مثل السلهام والجلباب والعباءة الصيفية البيضاء بالنسبة للرجال.
 

​اليوم "المرأة تلبس "أسميرض" إذا أرادت في مناسبات، وفي مناسبات أخرى تلبس إذا أرادت لباساً عصرياً، أو لباساً تقليدياً آخر. لا أحد هنا في الواحة يفرض على أحد لباسه أو هندامه، ولا أحد يتدخل في خصوصيات أحد. لقد استطاعت المرأة الفكيكية المتنورة أن تصون "أسميرض": هذا اللباس الأصيل الجميل الناصع البياض، من أن يتحول إلى مادة للمزايدات العقائدية، أي: إلى ثوب يُلبَس تحت الضغط والإكراه لاعتبارات مذهبية؛ فجعلت منه لباساً ككل الألبسة الأصيلة مثل السلهام والجلباب، تلبسه متى تشاء بكل حرية، وبدون أية وصاية فاشية. ما كان لهذه النهضة النسوية المبكرة أن تحدث في فكيك قبل أن يتم الاتفاق على الثامن من مارس كيوم عالمي للمرأة، لو لم تكن تهيمن في الواحة ثقافة نقدية جدالية واقعية.
 

​صحيح أن أجدادنا وجداتنا لم يكونوا قد تمدرسوا، ومع ذلك، فإنهم كانوا يحسنون التفكير والتدبير في حياتهم العملية، وكانوا يتساءلون كثيراً؛ كي يفهموا حقيقة الأمور، وكانوا نقديين يرفضون التبعية العمياء، وكانوا براكماتيين يحبون الشغل، ويكرهون الكسل (يَتّْرَخِّيْثْ). كانت النساء هن المصدر الأساسي للسيولة النقدية لمعظم العائلات؛ من خلال صناعة النسيج، بينما كان الرجال يسعون إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية الأساسية وفي الحاجات الضرورية الأخرى، كانوا يأخذون بالأشياء النافعة من حيث ما أتت، وكانوا يرفضون الأشياء الضارة أينما وجدت منهجيتهم في التفكير سليمة، ما كان ينقصهم هو الرصيد العلمي الضروري لمواكبة التطور الحضاري الإنساني؛ لكن هذا لم يكن خطأهم هم، بل كان خطأ أولئك الرجال الذين أدخلوا مجتمعاتنا في عصور الانحطاط البئيسة. لو كان أجدادنا وجداتنا قد تمدرسوا في اللحظة التاريخية المناسبة، لكانوا قد اهتدوا بأنفسهم، وقبل أن نولد نحن، إلى مفاهيم حداثية كثيرة، ولكانوا قد ذهبوا، بفضل تلك المفاهيم، بعيداً في التطور الحضاري. إن إشاداتي المتكررة بهذا الوعي العقلاني المنفتح لساكنة فكيك ليست من باب الاعتزاز بالذات أو التعصب القبلي، بل من باب الغيرة الوطنية.
 

​يوجد في الوطن عقلاء يعملون بكل جدية من أجل تعزيز المكاسب، وإنجاح المشاريع الاستراتيجية، وتقوية الدولة المدنية العصرية، لكن نجاح العقلاء في أعمالهم رهين بوجود رأي عام عاقل؛ فالانتخابات والاستفتاءات لوحدها لا تكفي، حتى ولو كانت حرة ونزيهة، لفرض الاستقرار السياسي. الديمقراطية الحقيقية المستدامة لا تتحقق إلا إذا كان المواطن الناخب عقلانياً منفتحاً في تفكيره وسلوكه.
 

​وأخيراً، أتجرأ فأتوجه في نهاية هذه الحلقة بالرجاء التالي إلى السيد وزير الداخلية: سيدي الوزير، أكن لك شخصياً كل التقدير والاحترام، وأعتبرك من عقلاء هذا الوطن الذين يعملون بإخلاص ليل نهار؛ من أجل استقرار البلد. يوجد العقلاء في كل مدينة وقرية وواحة. وفي فكيك، الذين يؤطرون الحراك هناك، هم من عقلاء الواحة. سيدي الوزير أرجوك: استقبلهم؛ فالتواصل بين عقلاء البلاد يكون دائماً لصالح العباد. والسلام. وشكراً.

​عبدالرحمان بوكيرو، أستاذ متقاعد (مفتش سابق لمادة الفلسفة)