على الحكومة المقبلة أن تعي أن محاربة السل معركة متعددة القطاعات.
وإلا فإن تفاقم هذا المرض في المغرب لن يكون سوى مسألة وقت.
بحسب منظمة الصحة العالمية، ما يزال السلّ أحد أكثر الأمراض المعدية فتكاً في العالم، رغم توفر علاجات فعّالة.
والسبب أن السلّ ينمو عند تقاطع عدة أزمات: أزمة اجتماعية، وأزمة سكن، وأزمة فقر.
السلّ ليس مجرد مرض.
إنه مرآة كاشفة.
مرآة تكشف حجم التفاوتات الاجتماعية، وخلل أنماط السكن، وهشاشة الأوضاع الاقتصادية، ونقائص السياسات العمومية.
في مختلف أنحاء العالم، يكرر خبراء الصحة العمومية حقيقة أساسية: إن مكافحة السل لا يمكن أن تبقى مسؤولية وزارات الصحة وحدها.
بل تتطلب تعبئة أوسع بكثير، تشمل قطاعات حكومية متعددة، إضافة إلى المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين.
وقد أكدت المؤسسات الدولية الكبرى هذه الحقيقة بوضوح.
فبالنسبة إلى منظمة الصحة العالمية، تستوجب محاربة السل اعتماد مقاربة متعددة القطاعات، لأن المرض ينتشر تحديداً حيث تكون محددات الصحة الاجتماعية هشة: الفقر، سوء التغذية، السكن غير اللائق، الاكتظاظ، العمل الهش، وضعف الولوج إلى العلاج.
ويشاطر هذا التصور كل من منظمة الأمم المتحدة والصندوق العالمي لمكافحة السيدا والسل والملاريا، اللذين يؤكدان حقيقة بسيطة لكنها عميقة الدلالة: إذا كان السل يُعالج بالأدوية، فإنه يتغذى على ظروف العيش.
بعبارة أخرى، إن المعركة ضد السل تُخاض بقدر ما في السياسات الاجتماعية كما في برامج وزارة الصحة ومراكز العلاج والمستشفيات.
وزارة السكن: خط الدفاع غير المرئي
ينتقل السل بسهولة في الفضاءات المغلقة سيئة التهوية.
فالأحياء المكتظة والمساكن غير الصحية والسكن الهش تشكل بيئة مثالية لانتشار العصية المسببة للمرض.
لذلك تصبح سياسات السكن، وتجديد الأحياء الحضرية، وتحسين ظروف العيش أدوات غير مباشرة لكنها شديدة الفعالية في الوقاية.
إن تهوية المنازل، وتقليل الاكتظاظ، ومحاربة أحياء الصفيح يمكن أن يكون لها أثر صحي لا يقل أهمية عن بعض التدخلات الطبية.
القطاعات الاجتماعية: محاربة الفقر
كثيراً ما يوصف السل بأنه مرض الفقر.
فالمرضى الأكثر عرضة للإصابة هم غالباً أنفسهم الذين يواجهون أكبر الصعوبات في الولوج إلى العلاج، أو الالتزام بعلاج طويل الأمد، أو الحفاظ على تغذية متوازنة.
لذلك تلعب برامج الدعم الاجتماعي، وآليات حماية الفئات الهشة، وسياسات مكافحة الهشاشة دوراً محورياً في تقليص انتشار المرض.
وزارة الشغل: حماية العمال
بعض البيئات المهنية تحمل مخاطر أعلى للإصابة، مثل المناجم، وأوراش البناء، والمصانع المكتظة، والسجون، ومراكز الإيواء الجماعي.
إن سياسات الصحة المهنية، والمراقبة الصحية في أماكن العمل، والحماية الاجتماعية للعمال يمكن أن تحد بشكل كبير من انتشار المرض.
كما يشدد الخبراء الدوليون على ضرورة ضمان حق المرضى في متابعة علاجهم دون الخوف من فقدان عملهم.
وزارة التربية: كسر جدار الجهل
ما يزال السل محاطاً بالخوف والوصم الاجتماعي والعديد من الأفكار المغلوطة.
وهنا تلعب المدرسة دوراً أساسياً في نشر معلومة علمية واضحة.
فإطلاع التلاميذ على أعراض المرض وطرق انتقاله وفعالية علاجه يساعد على تقليص الوصم الاجتماعي ويشجع على التشخيص المبكر.
المؤسسات السجنية: جبهة غالباً ما تُهمَل
تُعد السجون في مختلف أنحاء العالم من البيئات عالية الخطورة لانتقال السل بسبب الاكتظاظ وضعف التهوية.
ولهذا تدعو الهيئات الدولية الدول إلى إدماج المؤسسات السجنية ضمن الاستراتيجيات الوطنية للتشخيص والعلاج.
الجماعات الترابية: القرب الحاسم
تلعب الجماعات المحلية دوراً محورياً في الوقاية.
فهي غالباً أول من يستطيع رصد حالات الهشاشة، ودعم حملات التوعية، وتسهيل ولوج السكان إلى الخدمات الصحية.
دور القطاع الخاص والمجتمع المدني
يمكن للمقاولات، والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات المجتمعية أن تساهم في التوعية والكشف المبكر ودعم المرضى.
وفي العديد من البلدان، أصبحت برامج مكافحة السل أكثر فعالية عندما تم إشراك الفاعلين المجتمعيين في مواكبة المرضى ومساعدتهم على الالتزام بالعلاج.
معركة تتجاوز الطب
رغم توفر علاجات فعالة، ما يزال السل واحداً من أكثر الأمراض المعدية فتكاً في العالم، بحسب منظمة الصحة العالمية.
ويرجع ذلك إلى أن الاستجابات لا تزال في كثير من الأحيان محصورة داخل القطاع الصحي فقط.
لكن الحقيقة أن السل ينمو عند تقاطع أزمات متعددة:
أزمة اجتماعية، أزمة سكن، وأزمة فقر.
ولهذا تدعو المؤسسات الدولية اليوم إلى حكامة موسعة تشمل مختلف السياسات العمومية.
فالمعركة ضد السل لا تُحسم بالمضادات الحيوية وحدها.
بل تُحسم أيضاً عبر سكن لائق، وغذاء كافٍ، وحماية اجتماعية فعالة، ومعلومة صحية متاحة للجميع.
بعبارة أخرى،
إنها معركة تُكسبها مجتمعات أكثر عدلاً.
وهنا بالضبط تبدأ السياسة الحقيقية للصحة العمومية.
