mercredi 25 mars 2026
كتاب الرأي

حميدي عبد الرفيع: الشباب وانتخابات 2026 ديمقراطية بدون روح

حميدي عبد الرفيع: الشباب وانتخابات 2026 ديمقراطية بدون روح حميدي عبد الرفيع

في كل موسم انتخابي، يعود الحديث عن الشباب كما لو أنه اكتشاف جديد. تُرفع الشعارات، تُفتح المنصات، وتُستدعى لغة “التمكين” و”الإدماج” و”الرهان على المستقبل” لكن، وبقدر ما يتكرر الخطاب، بقدر ما تتعمق الهوة بين الشباب والسياسة انتخابات 2026 في المغرب ليست استثناءً، بل مرآة مكبرة لاختلالات بنيوية تؤجل الحل بدل أن تواجهه.


اختلال أول: شباب يُستدعى… ولا يُشرك
المعضلة الحقيقة لا تكمن في غياب الشباب عن الخطاب السياسي، بل في طبيعة هذا الحضور نفسه، حضورٌ وظيفيّ لا فعلي، شكليّ لا جوهري. فالشباب يُستدعى باعتباره رقماً انتخابياً، واحتياطاً ديمغرافياً يمكن تعبئته عند الحاجة، لا باعتباره طاقة اقتراحيه قادرة على التأثير في اتجاهات القرار وصياغة الاختيارات الكبرى إنه حضور محسوب بدقة داخل هندسة انتخابية مغلقة، حيث يُدرج الشباب في اللوائح، لكن غالباً في مواقع لا تتيح لهم الوصول، أو في مواقع رمزية تُستخدم لإضفاء مسحة “تجديد” على بنية حزبية ظلت، في عمقها، عصيّة على التحول وهكذا يتحول من فاعل مفترض إلى مجرد عنصر تجميلي داخل عرض سياسي جاهز سلفاً.


في المقابل، تستمر نفس النخب في احتكار مراكز القرار، وتعيد إنتاج ذاتها عبر آليات داخلية لا تتيح التداول الحقيقي ولا تفسح المجال أمام بروز قيادات شابة مستقلة في رؤيتها وموقعها وبذلك، لا يكون الإقصاء صريحاً، بل يتم بشكل ناعم، عبر الإدماج الشكلي والإبعاد الفعلي في الآن نفسه.


النتيجة ليست فقط اختلالاً في التمثيلية، بل انقساماً عميقاً في علاقة الشباب بالسياسة شباب داخل المؤسسات، لكنه محاصر بهوامش ضيقة، بلا قدرة حقيقية على التأثير أو المبادرة؛ وشباب خارجها، ينظر إلى المشهد من مسافة، فاقداً للثقة في جدوى الانخراط، ومقتنعاً بأن قواعد اللعبة لا تسمح له بالدخول إلا بشروط لا تخصه إنها مفارقة قاسية.

حضورٌ عدديّ بلا وزن سياسي، وإدماجٌ شكليّ يُنتج، في العمق، مزيداً من الإقصاء.


اختلال ثان: سياسة بلا معنى بالنسبة للشباب
جيل اليوم لا يدير ظهره للسياسة بدافع اللامبالاة، بل نتيجة إحساس عميق بالاغتراب عنها إنه لا يعزف لأنه غير مهتم، بل لأنه لا يجد ذاته ممثلة في خطابها ولا في وجوهها ولا في أولوياتها. فالعلاقة بينه وبين الفعل السياسي لم تنقطع، لكنها فقدت معناها حين تتحول الحملات الانتخابية إلى فضاء لوعود فضفاضة، غير قابلة للقياس أو المحاسبة وإلى ساحة لصراعات شخصية بين نخب تتنازع المواقع أكثر مما تتنافس حول المشاريع، وإلى ساحة لصراعات شخصية بين نخب تتنازع المواقع أكثر مما تتنافس حول المشاريع، وحين يُنتج خطاب سياسي منفصل عن الواقع، لا يلامس القضايا الحارقة التي تؤرق الشباب من شغل كريم، إلى تعليم ذي جدوى، إلى كرامة يومية ملموسة فإن القطيعة تصبح مفهومة، بل ومنطقية في هذا السياق، لا يعود السؤال موجهاً إلى الشباب: لماذا لا تصوّتون؟
بل يتحول نحو السياسة نفسها: ماذا قدمت لتستحق ثقتهم؟
المشكل، إذن، لا يكمن في عزوف الشباب بوصفه اختياراً سلبيا.
بل في عجز الحقل السياسي عن إنتاج عرض ذي مصداقية، قادر على الإقناع، ومؤهل لخلق الانخراط
إنه عجز عن تحويل السياسة من طقس انتخابي عابر إلى أفق معنى، يشعر فيه الشاب أن صوته ليس مجرد إجراء، بل أثر.


اختلال ثالث: فجوة الثقة… أخطر من العزوف
العزوف، في جوهره، ليس أصل الداء بل أحد تجلياته. هو عرضٌ ظاهر لخلل أعمق يتراكم بصمت داخل الوعي الجماعي للشباب، حيث تتشكل قناعة ثقيلة مفادها أن الفعل الانتخابي فقد جدواه هذا التراكم النفسي والسياسي أخطر من العزوف نفسه، لأنه يؤسس لقطيعة صامتة ولكن عميقة بين الشباب والمنظومة التمثيلية، قطيعة لا تُرى في نسب المشاركة فقط، بل في انعدام الإيمان بجدوى المشاركة أصلا ومن هنا، فإن معالجة هذه الفجوة لا يمكن أن تختزل في حملات تحسيسية موسمية أو خطابات تحفيزية تدعو إلى التصويت، لأن الأزمة ليست أزمة وعي بقدر ما هي أزمة ثقة.


إنها تحتاج إلى مسار طويل لإعادة بناء المصداقية، يبدأ بإصلاح قواعد اللعبة السياسية نفسها، ويستند إلى ممارسة مؤسساتية شفافة ومسؤولة، ويُترجم إلى أثر ملموس في حياة المواطنين إن استعادة ثقة الشباب ليست مسألة تقنية تُحل بإجراءات ظرفية،بل هي ورش سياسي وأخلاقي عميق، يعيد الاعتبار للسياسة كفعل نزيه وذي معنى، لا كآلية شكلية لإعادة إنتاج نفس النتائج.


اختلال رابع: رقمنة بلا تأطير
لم يعد الشباب ينتظر إذناً للدخول إلى السياسة، بل أعاد تعريف فضاء ممارستها خارج الإطارات التقليدية، فهو اليوم يصوغ مواقفه ويعبّر عن اختياراته عبر منصات التواصل، ويؤطر قضاياه من خلال حملات رقمية سريعة الانتشار، وينخرط في نقاشات مفتوحة، حرة من القيود التنظيمية الصارمة، لكنها غنية بالحيوية والجرأة.


في المقابل، ما تزال الأحزاب أسيرة أدواتها الكلاسيكية تشتغل بمنطق الاجتماعات المغلقة، والبيانات الجاهزة، والإيقاع البطيء الذي لا يواكب تحولات الزمن الرقمي. هذا الاختلال في السرعة واللغة والوسائط لا يعكس فقط فجوة تقنية، بل يكشف عن فجوة أعمق في فهم التحولات الجارية داخل المجتمع.


النتيجة هي تشكّل فضاءين سياسيين متوازيين فضاء رسمي، مؤسساتي، لكنه يعاني من الجمود وضعف التفاعل وفضاء رقمي، نابض بالحياة، سريع التأثير، لكنه يظل خارج دوائر القرار الفعلي.


هذه الازدواجية تطرح خطراً حقيقياً، لا يتمثل فقط في اتساع الهوة بين الشباب والمؤسسات، بل في احتمال انزلاق الوعي السياسي المتشكل رقمياً نحو تعبيرات احتجاجية غير مؤطرة، تفتقر إلى قنوات تنظيمية قادرة على تحويل الغضب إلى اقتراح، والرفض إلى بدائل.


 حين تُغلق المسالك المؤسسية أو تبدو غير ذات جدوى، لا يختفي الفعل السياسي، بل يغيّر شكله… وغالباً في اتجاه أقل قابلية للضبط وأكثر ميلاً للمواجهة بدل المشاركة.


اختلال خامس: التمكين الشكلي مقابل الإقصاء الفعلي
رغم ما يُروَّج له من مبادرات لدعم ترشيحات الشباب وتمويل حملاتهم، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في بنية القرار نفسها. فالسؤال الحقيقي ليس هل نُمكّن الشباب مادياً؟ بل من يملك حق تمكينه سياسياً؟
من يحدد من يستحق الترشح؟
من يرسم خرائط اللوائح ويضبط ترتيبها؟
ومن يحتكر، في النهاية، سلطة الحسم داخل التنظيمات الحزبية؟
هذه الأسئلة تكشف أن مدخل المشاركة ما يزال مضبوطاً بقواعد غير شفافة، حيث تتحكم دوائر ضيقة في آليات الانتقاء، وتُعاد عبرها نفس التوازنات، بنفس الوجوه، وبنفس المنطق. في مثل هذا السياق، يصبح حضور الشباب مشروطاً بالقبول داخل منظومة مغلقة، لا بالقدرة على الإقناع أو تقديم بدائل.


وهنا يتحول الدعم المالي أو الإطار القانوني إلى عنصر ثانوي، بل إلى نوع من “الزخرفة السياسية” التي تُحسّن صورة الواجهة دون أن تمسّ البنية العميقة. إذ لا معنى لتمويل حملة انتخابية إذا كان موقعها في اللائحة محكوماً مسبقاً، ولا جدوى من فتح باب الترشح إذا كانت مفاتيح العبور محتكرة.


المسألة، إذن، ليست في توفير شروط المشاركة فقط، بل في تحريرها. تحريرها من منطق الولاءات الضيقة، ومن هندسة داخلية لا تسمح بالتداول الحقيقي، ولا تفسح المجال أمام بروز نخب شابة تمتلك استقلالية القرار وشرعية الاختيار.


فما لم تُفتح هذه الدوائر المغلقة، سيظل “تمكين الشباب” شعاراً معلّقاً،
وستبقى المشاركة ممكنة شكلاً… ومؤجلة فعلاً
اختلال سادس: سؤال العدالة الاجتماعية الغائب
لا يمكن فهم منسوب المشاركة السياسية لدى الشباب بمعزل عن شروطهم الاجتماعية الملموسة. فالسلوك الانتخابي ليس قراراً معزولاً، بل هو امتداد مباشر لوضع اقتصادي واجتماعي يحدد درجة الانخراط أو الانكفاء حين يجد الشاب نفسه في مواجهة بطالة ممتدة،أو داخل وضعية هشاشة اقتصادية تُقيد اختياراته اليومية،أو أمام أفق مسدود لا يتيح له تصور مسار واضح للمستقبل فإن علاقته بالسياسة تتغير جذرياً: من أداة للتأثير إلى عبء إضافي بلا جدوى ظاهرة.


في هذا السياق، يصبح من غير المنطقي مطالبة هذا الشاب بالانخراط السياسي بنفس الخطاب الذي يُوجَّه إلى فئات تعيش قدراً من الاستقرار. لأن الإحساس بالانتماء إلى العملية السياسية يفترض، في حدّه الأدنى، الإحساس بالاندماج في المجتمع نفسه المشكلة هنا أن السياسة، حين تنفصل عن تحسين شروط العيش، تفقد معناها العملي وتتحول إلى خطاب مجرد. فلا تعود تُقاس بقدرتها على تغيير الواقع، بل بقدرتها على إعادة إنتاج الوعود. وعندما يغيب الأثر الملموس في حياة الناس، يتآكل الإيمان بالفعل السياسي تدريجياً.


لذلك، فإن إعادة ربط الشباب بالسياسة لا تمر فقط عبر إصلاحات انتخابية أو خطابية، بل عبر سياسات عمومية قادرة على خلق فرص حقيقية للشغل، تقليص الهشاشة، وفتح أفق قابل للتصديق حينها فقط، تستعيد السياسة وظيفتها الأصلية أن تكون وسيلة لتحسين الحياة، لا مجرد إطار لتدبيرها شكلياً.

ما الذي تكشفه انتخابات 2026؟
ما تكشفه اللحظة الحالية لا يختزل في ضعف نسب المشاركة، بل يتجاوزها إلى ما هو أعمق:إنه أزمة معنى تضرب في صميم العلاقة بين الشباب والفعل السياسي فالمشكل لم يعد مرتبطاً بقرار الذهاب إلى صناديق الاقتراع من عدمه، بل بسؤال أكثر جوهرية: ما جدوى هذا الفعل أصلاً؟ وما الذي يترتب عنه في الواقع؟ حين يصبح هذا السؤال معلقاً بلا جواب مقنع، تفقد السياسة وظيفتها الرمزية والعملية معاً.


الشباب، في هذا السياق، لا يرفض الديمقراطية كقيمة أو كخيار مجتمعي، بل يعبّر عن رفض متزايد لصيغتها القائمة، تلك التي اختُزلت في بعدها الإجرائي، وفقدت قدرتها على إنتاج أثر ملموس في الحياة اليومية
إنه يواجه.


ديمقراطية انتخابية تُختبر في لحظة التصويت، لكنها لا تُترجم إلى سياسات تُحسّن شروط العيش؛
تمثيلية شكلية تفتح باب الحضور، لكنها لا تمنح مفاتيح الفعل والتأثير؛
وخطاب سياسي متكرر، يفتقر إلى المصداقية، لأنه لا يصمد أمام اختبار الواقع.
في ظل هذه المفارقات، لا يعود العزوف موقفاً سلبياً بقدر ما يصبح تعبيراً عن رفض واعٍ لصيغة سياسية فقدت توازنها بين الشكل والمضمون فالديمقراطية، حين تنفصل عن نتائجها، تتحول إلى طقس؛والتمثيل، حين يُفرغ من السلطة، يصبح واجهة؛والخطاب، حين يفقد صدقه، يتحول إلى ضجيج.


 ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة تعبئة الشباب داخل نفس القوالب،بل في إعادة بناء المعنى ذاته أن يشعر الشاب بأن السياسة ليست مجرد آلية، بل قدرة فعلية على التغيير،وأن الديمقراطية ليست فقط حقاً في الاختيار، بل أثراً في المصير.


الخلاصة: ما لم يتغير… سيتكرر
إذا استمرت المقاربات نفسها، بذات الوجوه التي أعادت إنتاج حضورها لسنوات، وبنفس الخطاب الذي استهلكته التكرارات، وبآليات تحكم لم يطرأ عليها أي تحول جوهري، فإن انتخابات 2026 قد تنجح في تحقيق أرقام “مقبولة” على مستوى نسب المشاركة، لكنها ستفشل في استعادة الروح. سنكون أمام عملية انتخابية تستوفي شروط الشكل، لكنها تفتقد إلى المعنى؛ ديمقراطية تُقاس بالأرقام، لا بالأثر، وتُدار بالإجراءات، لا بالثقة.


في مثل هذا السياق، تصبح المشاركة مجرد طقس دوري، لا تعبيراً عن انخراط واعٍ، وتتحول صناديق الاقتراع إلى محطة عابرة لا تترك أثراً عميقاً في وعي الشباب ولا في واقعهم. وهنا يكمن الخطر أن تستمر الديمقراطية في أداء وظيفتها الشكلية، بينما تتآكل وظيفتها الرمزية والتغييرية.


لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في رفع نسبة التصويت، لأن الأرقام، مهما ارتفعت، لا تعني بالضرورة استعادة الثقة الرهان الأعمق هو إعادة بناء العلاقة بين الشباب والسياسة على أسس جديدة
إعادة تعريف السياسة كفضاء للثقة، حيث يكون الالتزام صادقاً، والوعود قابلة للتحقق، والمساءلة ممكنة؛ 
فتح الأحزاب بشكل فعلي، لا رمزي، أمام الكفاءات الشابة، بما يتيح لها الوصول إلى مواقع القرار، لا الاكتفاء بأدوار ثانوية أو تجميلية؛ 


وربط الممارسة الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، حتى يشعر الشاب أن صوته لا يضيع في الفراغ، بل ينعكس في تحسين شروط عيشه وفتح آفاق مستقبله 
حينها فقط، يمكن أن يتغير السؤال جذرياً لن نعود نسأل هل سيشارك الشباب؟
لأن المشاركة ستصبح نتيجة طبيعية، لا هدفاً في حد ذاته
بل سنكون أمام سؤال جديد، أكثر عمقاً وطموحاً
كيف يمكن لهذا الجيل أن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع القيادة، وأن يصبح فاعلاً في رسم ملامح المرحلة القادمة؟