mercredi 25 mars 2026
كتاب الرأي

ميمونة الحاج داهي: التخوين والتكفير وجهان لعملة واحدة اسمها.. الإرهاب الفكري

ميمونة الحاج داهي: التخوين والتكفير وجهان لعملة واحدة اسمها.. الإرهاب الفكري ميمونة الحاج داهي

أعتقد أن أسهل ما يمكن فعله حين يحتدّ النقاش، هو أن نرفع نبرة الكلام بدل أن نرفع مستوى الحجة. أن نسرع إلى الإدانة بدل أن نبذل جهد الإقناع. ومن هنا بالضبط يبدأ التخوين في التسلل إلى النقاش العمومي كوسيلة جاهزة لحسم الخلاف دون عناء التفكير.


أنا لا أرى في التخوين مجرد انفعال لغوي، بل أراه طريقة في التعامل مع الاختلاف. حين يعجز البعض عن مناقشة رأي مخالف، لا يردّون على الفكرة، بل ينتقلون مباشرة إلى صاحبها. لا يعود السؤال: ماذا تقول؟ بل يصبح: مع من تقف؟ وفي هذه اللحظة، يتوقف النقاش فعلا، ويبدأ التصنيف.


ما يجعل هذه الظاهرة مقلقة في نظري، هو أنها ليست بعيدة كثيرا عن منطق التكفير. فهناك دائما من يعتقد أنه يملك وحده حق تعريف الفكرة الكبرى: الدين عند هذا، والوطن عند ذاك. ثم يمنح نفسه، بناء على هذا الادعاء، حق الحكم على الناس: من ينتمي، ومن لا ينتمي. الفرق فقط في المرجعية، أما الذهنية فتكاد تكون واحدة.


لهذا أرى أن التكفير والتخوين وجهان لعملة واحدة تسعى لاحتكار الحقيقة.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بقسوة الكلمة، بل بالخلط الذي تختبئ وراءه. لأن هناك فرقا واضحا بين مصلحة الوطن ورأيك في مصلحة الوطن.


الأولى تُبنى داخل مؤسسات، وحسابات، وتوازنات، ومعطيات معقدة.
أما الثانية، فهي اجتهاد بشري، قد يصيب وقد يخطئ، وحين يتحول هذا الاجتهاد إلى معيار للوطنية، يصبح كل اختلاف موضع شبهة.


في السياق المغربي، يظهر هذا الأمر بوضوح في كثير من النقاشات الحساسة، سواء تعلق الأمر بالسياسات العمومية، أو الاقتصاد، أو بعض القضايا الدبلوماسية. يكفي أحيانا أن تُعبّر عن قراءة مختلفة، حتى تجد نفسك مطالبا بإثبات ولائك بدل أن تُناقَش فكرتك. وكأن المشكلة ليست في ما قيل، بل في مجرد الجرأة على قول شيء مختلف.


وهنا بالضبط يصبح التخوين أخطر من مجرد إساءة. لأنه لا يجرح فقط، بل يُفسد شروط النقاش نفسه. يخلق مناخا لا يُكافأ فيه التفكير، بل يُكافأ فيه الاصطفاف. ويجعل الناس أكثر حرصا على السلامة الرمزية من حرصهم على قول ما يعتقدونه حقا.


والأخطر من ذلك كله أن من يمارس التخوين يفعل ذلك غالبا وهو مقتنع بأنه يؤدي واجبا أخلاقيا. لا يرى نفسه خصما في نقاش، بل حارسا على قيمة عليا. وهذه بالضبط هي المنطقة التي يصبح فيها الخطر مضاعفا، تحويل الإقصاء إلى فضيلة في نظر صاحبه.


لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التعقيد المفتعل، الوطن لا يضيق بالرأي المختلف، بل يضيق فقط بالعقول التي تريد اختصاره في رأي واحد.


أنا لا أقول إن كل الآراء صحيحة، ولا إن كل المواقف سليمة أو بريئة. لكنني أؤمن أن الخلاف لا ينبغي أن نديره بمنطق المحاكمة، وأن الوطنية لا توضع على مقياس درجة التطابق، بل بقدرتنا على الاختلاف دون أن نهدم المعنى المشترك الذي يجمعنا.


لا أذكر أنني تساءلت يوما من الوطني ومن الخائن؟ لأنني كنت دائما أرى أن الوطن أوسع من أن أختصره في هذا النوع من الأسئلة الفقيرة..و لكن هناك أسئلة فرضت نفسها :لماذا أصبح بعضنا عاجزا عن قبول الاختلاف دون أن يرفعه إلى مستوى الاتهام؟ و من الذي أقنعه أصلا أن من حقه وحده أن يوزع صكوك الوطنية؟


الجواب على هذه الأسئلة هو السبيل إلى توضيح أن أسوأ ما يمكن أن نفعله باسم الوطن، هو أن نحتكره و نحوله إلى فتوى..