انتهت الجولة الثانية من الانتخابات البلدية بفرنسا دون أن تُسفر عن نتائج حاسمة لصالح طرف على حساب آخر، خاصة في ظل امتناع نحو 43 في المائة من الفرنسيين عن التصويت. ورغم ذلك، أعلنت جميع الأحزاب، دون استثناء، أنها حققت الانتصار وتقدمت وبلغت أهدافها، سواء أحزاب اليمين أو اليسار بمختلف توجهاتهما.
يمكن القول إن تيار الوسط وحلفاء الرئيس هم الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات أي أحزاب النهضة،اوريزون والموديم . ومع ذلك، أعلن رئيس حزب النهضة، غابرييل أتال، بدوره أن حزبه تقدم، مشيرًا إلى فوزه بمدينة كبيرة مثل بوردو، التي كان يديرها حزب الخضر وانسي. غير أن الحزب لم يتمكن من انتزاع مدن أخرى، حيث احتفظ الجمهوريون والاشتراكيون بمعظم معاقلهم، رغم تقدم حزب التجمع الوطني (اليمين المتطرف)، وكذلك حزب فرنسا الأبية من اليسار، إذ حقق الحزبان مكاسب متعددة في عدد من المدن، خاصة حزب مارين لوبان.
من جهته، تمكن اليسار من الاحتفاظ بأكبر المدن في البلاد خلال الجولة الثانية التي جرت يوم الأحد (باريس، مرسيليا، ليون وليل)، محققًا فوزًا ذا طابع رمزي في العاصمة باريس، فيما فاز اليمين المتطرف بعدد من المدن المتوسطة الحجم (كاركاسون، كان، ومونتون).
كما تمكن حزب فرنسا الأبية من الفوز منذ الجولة الأولى في مدينة سان دوني بضواحي باريس، وفاز أيضًا في مدن روبيه وكري في الجولة الثانية، وهو ما يُعد إنجازًا لافتًا لحركة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات.
وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة، باعتبارها فرصة للأحزاب المختلفة لقياس شعبيتها، واستطلاع ردود فعل الناخبين تجاه التحالفات، واستشراف إمكانيات التنسيق بينها قبل عام من نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون. ويواجه حزب النهضة تحديًا في ملء الفراغ الذي سيتركه الرئيس بعد ولايتين، في وقت يشعر فيه اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للوصول إلى الحكم في فرنسا، رغم المشاكل القضائية التي تواجه زعيمته مارين لوبان على خلفية قضية الوظائف الوهمية.
ولم تكن الجولة الأولى كافية لحسم النتائج في نحو 35 ألف بلدية ومدينة، حيث احتاجت أغلبها إلى جولة ثانية، خاصة في المدن الكبرى.
وفي باريس، فاز مرشح الحزب الاشتراكي إيمانويل غريغوار ، النائب السابق لرئيسة بلدية باريس المنتهية ولايتها آن هيدالغو، في الجولة الثانية على منافسته، الوزيرة السابقة المنتمية لليمين رشيدة داتي، رغم انقسام اليسار، واستمرار ترشح صوفيا شيكيرو، ممثلة حزب فرنسا الأبية، في الدور الثاني.
ورغم اتحاد مكونات اليمين وانسحاب مرشح اليمين المتطرف، لم تتمكن رشيدة داتي من الحصول إلا على 41.52 في المائة من الأصوات، فيما حصلت صوفيا شيكيرو على نحو 9 في المائة. وبالتالي احتفظ الاشتراكيون بالمدينة التي يحكمونها مند 2001.
وفي مرسيليا، جنوب شرق فرنسا، فاز رئيس البلدية اليساري الحالي بينوا بايان بفارق مريح على مرشح حزب التجمع الوطني، فرانك أليسيو. وبعد منافسة قوية في الجولة الأولى، حصل بايان في جولة الإعادة على ما بين 53.7 و54 في المائة من الأصوات، مقابل ما بين 40.5 و41.1 في المائة لمنافسه.
واحتفظ اليسار أيضًا بمدينة ليون، ثالث أكبر مدن البلاد، حيث أُعيد انتخاب رئيس بلديتها غريغوري دوسيه، المنتمي إلى حزب الخضر، بفارق ضئيل (50.67 في المائة) أمام جان ميشال أولاس، الرئيس السابق لنادي أولمبيك ليون، الذي حصل على 49.33 في المائة، وقد ندد الأخير بما وصفه بـ"مخالفات" وأعلن عزمه الطعن في النتائج.
كما احتفظ الاشتراكيون بمدينتي ليل (شمال) ورين (غرب)، وفازوا في باو (جنوب غرب) على حساب رئيس الوزراء الأسبق فرانسوا بايرو.
في المقابل، عزز حزب التجمع الوطني رصيده بإضافته عدة بلديات جديدة،حوالي 70 بلدية بعدما كان قد فاز بـ24 بلدية في الجولة الأولى.
وأعلنت زعيمة الحزب مارين لوبان فوز حزبها في "عشرات" البلديات، من بينها كاركاسون ومانتون وكان، فيما خسر الحزب في تولون ونيم.
وقال رئيس الحزب جوردان بارديلا، الذي يتصدر استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية لعام 2027: "لم يسبق لحزب التجمع الوطني وحلفائه أن حققوا هذا العدد الكبير من الانتصارات في مختلف أنحاء فرنسا. نحن مدعوون لإثبات جدارتنا (...) هذه النجاحات ليست نهاية المطاف، بل بداية جديدة."
واتسمت هذه الانتخابات، التي تشهد عادة نسبة مشاركة مرتفعة، بإقبال منخفض تاريخيًا بلغ نحو 57 في المائة، بحسب معاهد استطلاع الرأي. ورغم تأكيدها على تقدم اليمين المتطرف وحزب فرنسا الأبية، فإنها عكست إلى حد كبير نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والمتمثلة في تشتت المشهد السياسي وغياب شخصية كاريزمية قادرة على توحيد الصفوف.
وقد يسهل هذا الوضع الطريق أمام اليمين المتطرف، خاصة في ظل استمرار انقسام اليسار ودخوله في صراعات داخلية، لا سيما بين جناح داخل الحزب الاشتراكي يُوصف بـ"يمين الحزب"، وحزب فرنسا الأبية، الذي يحظى بدعم في الأحياء الشعبية التي تضم نسبة كبيرة من المهاجرين، وهو ما يعكسه نجاحه في مدن مثل سان دوني وروبيه وكري.
اليمين الجمهوري هو الاخر كان منقسما بين جناح يرى ضرورة التحالف مع اليمين المتطرف وجناح يرى ان هذا الحزب ليست له نفس قيم اليمين الجمهوري.
وهي كلها أوضاع تزيد من ضبابية المشهد السياسي.
