vendredi 24 avril 2026
منبر أنفاس

حبيل رشيد: معمار الدولة الاجتماعية المغربية

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
حبيل رشيد: معمار الدولة الاجتماعية المغربية حبيل رشيد

المقدمة

شهدت السياسات العمومية بالمغرب خلال العقد الأخير تحولات نوعية عميقة اتجهت نحو إعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية للدولة، وذلك في ظل تحولات اقتصادية ومجتمعية متسارعة فرضت ضرورة البحث عن صيغ أكثر عدالة وفعالية لضمان الكرامة الإنسانية وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومن ثم برز ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أكبر المشاريع الإصلاحية التي عرفتها البلاد في تاريخها المعاصر، حيث جاء هذا الورش في سياق رؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس التضامن والإنصاف الاجتماعي، بما يتيح تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتوفير شبكة أمان اجتماعي لفائدة مختلف الفئات، خصوصاً تلك التي ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق التغطية الاجتماعية أو تعاني هشاشة اقتصادية تجعلها عرضة لتقلبات الأوضاع الاقتصادية والصحية.

 

وقد تعزز هذا التوجه مع اعتماد إطار قانوني ومؤسساتي جديد يؤطر منظومة الحماية الاجتماعية، ويحدد آليات تمويلها وتدبيرها، ويضع الأسس اللازمة لتوسيع دائرة المستفيدين منها تدريجياً، بما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما يتوافق مع المقتضيات الدستورية التي كرست الحماية الاجتماعية كأحد الحقوق الأساسية التي يتعين على الدولة السهر على ضمانها لجميع المواطنين دون تمييز، الأمر الذي جعل هذا الورش يحتل موقعاً مركزياً ضمن السياسات العمومية المعاصرة، باعتباره مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية الشاملة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

 

وفي هذا السياق، أصبح من الضروري تحليل المرتكزات القانونية والمؤسساتية التي يقوم عليها هذا المشروع الإصلاحي، مع الوقوف عند البرامج الاجتماعية التي تشكل أدواته التنفيذية، فضلاً عن استشراف التحديات المرتبطة بعملية التنزيل الفعلي لهذه السياسات على أرض الواقع.

 

الإشكالية:

إلى أي حد استطاعت المنظومة القانونية والمؤسساتية المؤطرة للحماية الاجتماعية بالمغرب، وخاصة من خلال القانون الإطار رقم 09.21، إرساء دعائم نظام اجتماعي متكامل قادر على توسيع قاعدة المستفيدين وتحقيق العدالة الاجتماعية، وما هي التحديات العملية التي تواجه تنزيل هذا الورش في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة؟

 

المطلب الأول: الإطار المرجعي والمعياري لمنظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب

يشكل الإطار المرجعي لمنظومة الحماية الاجتماعية الأساس الذي تستند إليه مختلف السياسات العمومية في هذا المجال، حيث يقوم على تداخل مجموعة من المرجعيات الدولية والدستورية والتشريعية التي ساهمت في بلورة تصور متكامل يهدف إلى إرساء منظومة تضامنية قادرة على حماية الفئات الهشة وتعزيز العدالة الاجتماعية.

الفقرة الأولى: المرجعية الدولية والمقتضيات الدستورية الوطنية.

 

تندرج الحماية الاجتماعية ضمن الحقوق الأساسية التي كرستها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، حيث أقر المجتمع الدولي منذ منتصف القرن العشرين بأهمية الضمان الاجتماعي باعتباره أحد الركائز الجوهرية لتحقيق الكرامة الإنسانية وضمان العيش الكريم للأفراد، وهو ما تجسد بشكل واضح في مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(1948)، الذي نص في مادته الثانية والعشرين على حق كل شخص في الضمان الاجتماعي باعتباره حقاً لا ينفصل عن كرامة الإنسان، كما تم تعزيز هذا المبدأ ضمن مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(1966)، الذي أكد بدوره ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة لضمان تمتع المواطنين بالحماية الاجتماعية في مختلف مراحل حياتهم.

 

وعلى المستوى الوطني، جاء دستور المغرب 2011م، ليكرس هذه المبادئ ضمن إطار دستوري واضح، حيث نص الفصل 31 على التزام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة كافة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتضامن التعاضدي، الأمر الذي يعكس توجه المشرع الدستوري نحو تعزيز البعد الاجتماعي للدولة وترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية باعتباره أحد مرتكزات النموذج التنموي الوطني.

 

كما أن الفصل 34 من الدستور ذاته أكد ضرورة وضع سياسات عمومية موجهة لفائدة الفئات الاجتماعية التي تعيش أوضاعاً خاصة، بما في ذلك النساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن، وذلك بهدف إدماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وضمان تمتعهم بكافة الحقوق الأساسية، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى الدولة بأهمية اعتماد مقاربة شمولية في معالجة قضايا الهشاشة الاجتماعية، تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص وتكريس التضامن المجتمعي.

 

الفقرة الثانية: القانون الإطار رقم 09.21 كقاطرة للإصلاح

في سياق السعي إلى ترجمة المبادئ الدستورية إلى سياسات عمومية ملموسة، تم اعتماد القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية باعتباره المرجعية التشريعية الأساسية التي تحدد معالم الإصلاح الشامل لمنظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب، حيث وضع هذا القانون تصوراً متكاملاً يهدف إلى تعميم التغطية الاجتماعية على مختلف فئات المجتمع في أفق تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الاستقرار الاقتصادي للأسر المغربية.

 

وقد حدد هذا القانون أربعة مجالات رئيسية لتعميم الحماية الاجتماعية، تتمثل في تعميم التأمين الإجباري عن المرض لفائدة جميع المواطنين، وتوسيع نطاق الاستفادة من التعويضات العائلية لتشمل الأسر التي تعيل أطفالاً في سن التمدرس، إضافة إلى تعميم نظام التقاعد لفائدة الفئات النشيطة التي لا تستفيد حالياً من أي نظام تقاعدي، ثم إحداث نظام خاص بالتعويض عن فقدان الشغل يهدف إلى توفير دعم مؤقت للأشخاص الذين يفقدون عملهم في ظروف معينة.

 

كما يعتمد هذا القانون على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكل الأساس الفلسفي لهذا الإصلاح، ومن أبرزها مبدأ التضامن الاجتماعي الذي يهدف إلى تحقيق نوع من التوازن بين الفئات القادرة على المساهمة في تمويل النظام والفئات التي تحتاج إلى دعم الدولة، إضافة إلى مبدأ عدم التمييز في الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، فضلاً عن اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تقييم أثر السياسات الاجتماعية وتطويرها بشكل مستمر بما يضمن فعاليتها واستدامتها.

 

ومن جهة أخرى، نص القانون على آليات تمويل متعددة تضمن استمرارية هذه المنظومة، حيث يعتمد على نظام مزدوج يجمع بين التمويل القائم على الاشتراك بالنسبة للفئات القادرة على المساهمة، والتمويل التضامني الذي تتحمل الدولة بموجبه تكاليف اشتراك الفئات غير القادرة، وذلك عبر تعبئة موارد الميزانية العامة وإعادة توجيه بعض النفقات الاجتماعية بما يحقق النجاعة والفعالية في تدبير الموارد المالية.

 

المطلب الثاني: البرامج الاجتماعية الداعمة وآليات التفعيل الميداني

إن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لا يرتبط فقط بوجود إطار قانوني متكامل، وإنما يعتمد أيضاً على فعالية البرامج الاجتماعية التي تشكل أدواته التنفيذية، إضافة إلى اعتماد آليات حديثة في الحكامة والتدبير تضمن توجيه الدعم إلى الفئات المستحقة بشكل دقيق وشفاف.

 

الفقرة الأولى: نظام الدعم الاجتماعي المباشر وفلسفة الاستهداف.

في إطار تنزيل مضامين الإصلاح الاجتماعي، تم اعتماد نظام الدعم الاجتماعي المباشر باعتباره إحدى الآليات الأساسية التي تهدف إلى تحسين الوضع المعيشي للأسر ذات الدخل المحدود، حيث يقوم هذا النظام على تقديم تحويلات مالية مباشرة لفائدة الأسر التي تعاني هشاشة اقتصادية، مع اعتماد معايير دقيقة لتحديد الفئات المستفيدة بما يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة.

 

ويستهدف هذا النظام بشكل أساسي الأسر التي تعيل أطفالاً في سن التمدرس، إضافة إلى الأسر التي تضم أشخاصاً مسنين أو أطفالاً في وضعية إعاقة، حيث يتم تقديم مساعدات مالية شهرية تساعد هذه الأسر على مواجهة تكاليف الحياة اليومية، كما تساهم في دعم تمدرس الأطفال وتحسين ظروف عيشهم، الأمر الذي يعكس توجهاً واضحاً نحو اعتماد مقاربة اجتماعية ترتكز على الاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره أحد محركات التنمية المستدامة.

 

وقد تم الشروع في تفعيل هذا النظام خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأت الدولة في صرف أولى الإعانات لفائدة الأسر المستفيدة، مع تحديد حد أدنى للدعم المالي يهدف إلى ضمان حد معقول من المساعدة الاجتماعية، وهو ما يعكس إرادة واضحة في الانتقال من منطق البرامج الاجتماعية المتفرقة إلى منطق السياسات الاجتماعية المندمجة التي تعتمد على مقاربة شمولية لمعالجة قضايا الفقر والهشاشة.

 

الفقرة الثانية: الحكامة الرقمية ودور السجل الاجتماعي الموحد.

إلى جانب البرامج الاجتماعية المباشرة، اعتمدت الدولة مجموعة من الآليات التقنية الحديثة التي تهدف إلى تحسين حكامة منظومة الحماية الاجتماعية وضمان شفافية تدبيرها، ويأتي في مقدمة هذه الآليات نظام السجل الاجتماعي الموحد الذي يشكل منصة رقمية وطنية مخصصة لتجميع المعطيات المتعلقة بالأسر المغربية وتقييم وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية.

 

ويعتمد هذا النظام على مقاربة تقنية تقوم على تحليل مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالدخل ومستوى العيش والوضعية الاجتماعية للأسرة، حيث يتم احتساب مؤشر تنقيط يسمح بتحديد درجة الاستحقاق للاستفادة من مختلف البرامج الاجتماعية، وهو ما يساهم في توجيه الدعم العمومي نحو الفئات الأكثر احتياجاً، مع تقليص مظاهر الهدر وسوء الاستهداف التي كانت تعاني منها بعض البرامج الاجتماعية في مراحل سابقة.

 

كما يتيح هذا النظام إمكانية تحقيق التقائية بين مختلف البرامج الاجتماعية التي تشرف عليها القطاعات الحكومية المختلفة، مما يسهم في تعزيز التنسيق المؤسساتي وتحقيق قدر أكبر من الانسجام في السياسات العمومية، فضلاً عن توفير قاعدة بيانات دقيقة تساعد صناع القرار على تقييم أثر البرامج الاجتماعية وتطويرها بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.

 

الخاتمة:

يتضح من خلال استقراء مختلف المقتضيات القانونية والمؤسساتية المؤطرة لمنظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب أن الدولة اختارت تبني مقاربة إصلاحية شاملة تهدف إلى بناء نظام اجتماعي أكثر عدالة وتضامناً، يقوم على توسيع نطاق التغطية الاجتماعية وتعزيز الحماية الاقتصادية للأسر المغربية، وهو ما يعكس تحولا عميقاً في فلسفة السياسات العمومية التي أصبحت تولي اهتماماً متزايداً للبعد الاجتماعي للتنمية.

 

غير أن تحقيق الأهداف المنشودة من هذا الورش يظل رهيناً بمدى قدرة مختلف الفاعلين المؤسساتيين على ضمان تنزيل فعال لهذه السياسات على أرض الواقع، من خلال تعزيز الحكامة الجيدة، وتطوير آليات الاستهداف، وضمان استدامة الموارد المالية المخصصة لتمويل البرامج الاجتماعية، بما يسمح بتحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية وإكراهات التوازنات المالية.

 

وفي هذا السياق، يظل ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب مشروعاً إصلاحياً مفتوحاً على التطوير المستمر، حيث يتطلب نجاحه تضافر جهود مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين من أجل بناء منظومة اجتماعية متماسكة قادرة على ضمان الكرامة الإنسانية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، بما يرسخ أسس دولة اجتماعية حديثة تجعل الإنسان في صلب السياسات التنموية.


 

fa43adde-9237-4fa7-a4a0-0dceb2578eab.png

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg