الأربعاء 7 يناير 2026
كتاب الرأي

نادية واݣرار: العقل.. حين يُؤدلِج نفسه.. في وهم الحياد وقداسة النقد الناقص

نادية واݣرار: العقل.. حين يُؤدلِج نفسه.. في وهم الحياد وقداسة النقد الناقص نادية واݣرار
ليست أي محاولة تفكير فعلا بريئا كما يبدو احيانا أو محايدا كما يُروَّج له غالبا، ... بل  ممارسة عقلية مشروطة تتسلّل إليها ،بوعي أو بدونه، تمثلات إيديولوجية قد تكون جزئية في لحظة أو كلية في سياق آخر. 

فالعقل لا يشتغل في فراغ ولا ينتج أفكاره خارج التاريخ أو الثقافة أو البنية النفسية والمعرفية التي صاغته. ومن ثمّ، فإن الادعاء بإمكانية تفكير نقي ومنزّه عن كل انحياز ليس سوى وهم معرفي مريح، غير انه خطير...

حينها يصبح النقد ليس ترفا فكريا ولا خيارا ثانويا، بل شرطا وجوديا لأي ممارسة عقلانية حقيقية. إلا أن النقد، ولكي يكون منتجا، لا بد له أن يتسم بالشمول والمنطق والاتساق، وأن يمارس دون استثناءات أو مناطق محرّمة، وإلا فقد يتحول إلى أداة إقصاء بدل أن يكون أداة كشف... 

إن النقد الانتقائي لا يُنتج معرفة، بل يعيد إنتاج السلطة ذاتها التي يدّعي تفكيكها.
وإذا كان الشكّ جزءًا أصيلًا من كل مسار معرفي جاد، فإن الخطر لا يكمن في الشكّ ذاته بل في طريقة إدارته. فالشكّ غير المؤطّر منهجيا يتحوّل سريعا إلى عبث فكري، بينما الشكّ المؤسس على قواعد موحدة وعلى أفق ديمقراطي في التفكير، يصبح محرّكا للتقدم المعرفي. إنّ أي نقاش بنّاء لا يمكن أن يقوم على ازدواجية المعايير، ولا على تحصين بعض المرجعيات من المساءلة، أكانت دينية أم علمانية، تقليدية أم حداثية.

وفي هذا السياق، يبرز العقل العلماني بوصفه نموذجًا إشكاليًا؛ إذ كثيرًا ما يقدّم نفسه، في بعض خطاباته، باعتباره عقلًا مكتملًا، عقلانيًا بالضرورة، ومعصومًا من الأوهام التي ينسبها إلى غيره. غير أنّ هذا الادعاء، في حدّ ذاته، يُفقده أهمّ خصائص العقل النقدي: قابليته للمساءلة. فحين يتحوّل العقل إلى مرجعية مغلقة على ذاتها، يخرج من دائرة العقلانية، ويدخل من حيث لا يدري في منطق الدوغمائية التي طالما انتقدها.

إنّ تعقيد بنية العقل الإنساني ودقّتها لا يمنحان إنتاجاته صفة العصمة، بل على العكس، يؤكّدان هشاشتها وقابليتها الدائمة للمراجعة. فالعقل، بما هو عقل، لا يُنتج حقائق نهائية، بل مقاربات نسبية، مشروطة بالسياق واللغة والمنهج. وأيّ محاولة لتحويل هذه الإنتاجات إلى مسلّمات ثابتة إنما تُعبّر عن خوف من النقد أكثر مما تعبّر عن ثقة في العقل نفسه.

أما ميل العقل نحو الإيديولوجيا، أو العلم، أو التحليل، فلا ينبغي فهمه كغاية في ذاته، بل كوسيلة مؤقتة نسعى من خلالها إلى الاقتراب من مبتغانا الأسمى: الحقيقة. غير أنّ هذه الحقيقة ليست معطًى جاهزًا ولا نهاية مغلقة، بل أفقا مفتوحا، يُعاد بناؤه باستمرار عبر الصراع بين الفهم والتأويل، بين الصعب الممكن والسهل الممتنع. وفي هذا التوتر بالذات، تتجلّى القيمة الحقيقية للعقل: لا بوصفه مالكًا للحقيقة، بل ساعيًا إليها دون ادّعاء امتلاكها.

إنّ أخطر ما يهدّد التفكير المعاصر ليس غياب العقل، بل تقديسه حين يكفّ عن نقد ذاته. فالعقل الذي لا يشكّ في نفسه، ولا يضع مسلّماته موضع مساءلة، يتحوّل إلى سلطة صامتة، أكثر عنفًا من كل السلطات المعلنة. ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن العقل لا يكون بتحصينه، بل بتعريته، ولا يكون بتمجيده، بل بإبقائه في حالة قلق معرفي دائم، لأن هذا القلق وحده هو ما يمنحه شرعيته الإنسانية.