"اللغة، ساحة المعركة الأولى"، جورج أورويل.
غالبا ما نتصور البلاغة أداة إقناع وإمتاع، لكنها صارت تأخذ في السياسة الحديثة، وبشكل جلي، معنى مغايرا، إذ أصبحت ترمي إلى أن تهيئ العقول لتقبل أفعال لا يمكن تبريرها بغيرها. "بلاغة العنف"، هي ذلك الاستعمال، الواعي واللاواعي، للغة المجازية والبيان اللفظي، لتطبيع أفعال القهر والدمار، عبر تحويلها في المخيال السياسي إلى أفعال عقلانية أو حتى أفعال رحيمة. هنا لا يظل المجاز مجرد انزياح جمالي عن المعنى، بل يصبح أداة لصناعة المعنى حيث لا معنى، وتجميل العنف حتى يبدو وكأنه فعل خلاص. كما أن اللغة لا تولد هنا في ساحة المعركة، بل هي التي تغدو "ساحة المعركة الأولى" فتدخل إلى "مراكز التفكير" التي تسهر على ما يسميه تشومسكي "صناعة الرضا والقبول".
يذكرنا ما نشاهده من عدوان على غزة، وما يقال عنه ويبرر به، بما كانت حنه آرندت ساقته في كتابها "من الكذب إلى العنف" من أمثلة كثيرة مستقاة من الحياة السياسية المعاصرة، كي تعبر عما تتضمنه اللغة المجازية، والتفكير الذي يعتمد منطق التجريد، وما يتخذانه من ترجمة فعلية في الميدان "في شكل حلول مثل التهجير الجماعي للسكان وهدم المدن والقرى". وقد توفقت فيلسوفة السياسة في أن تبلور فحوى هذه الأمثلة في العبارة الكاريكاتورية لذلك الضابط الأميركي الذي، بعد أن انتهى من التدمير التام لمدينة بكاملها جنوب فيتنام، استخلص قائلا: "كان علينا أن ندمر تلك المدينة إنقاذا لها".
ليست هذه العبارة التي ما أكثر ما نسمع مثيلاتها اليوم، والتي تجمع بين "التدمير" و"الإنقاذ"، ليست مجرد مفارقة لغوية أو سخرية سوداء، بل هي نموذج مكثف لما يمكن أن تفعله اللغة المجازية حين تنفصل عن الواقع وتستعمل في سياق القوة والعنف، فتتجاوز الحرب والتدمير لتجعل منهما عملا قانونيا مشروعا، بل تصرفا أخلاقيا مقبولا. إنها تجسد ما تدعوه حنه آرندت "جعل الشر مبتذلا" حيث يصبح التدمير مسألة إجرائية تناقش بلغة بيروقراطية باردة.
مسرح الرحمة؟
مثيلات هذه العبارة غير قليلة في حاضرنا، كعبارة "العملية الجراحية الدقيقة" التي تطلق على القصف الجوي واسع النطاق، أو "التطهير"، الذي يستعمل لوصف تهجير سكان أحياء كاملة، أو "المناطق الآمنة" التي تتحول على الأرض إلى مخيمات محاصرة، وأقفاص من سلك ناعم الاسم، خشن الملمس. هذه كلها أمثلة على ذلك الاستعمال المجازي الذي يمكن اللغة من أن تصنع واقعا مغايرا، بأن تخلع على العنف مسوح الرحمة والإنقاذ.
هنا، تتغذى الأفعال العنيفة على لغة تصوغ اللامعنى وكأنه معنى، وتقدم "الموت" حياة، والخراب إنقاذا. وهنا لا بد، بطبيعة الحال، أن يرفض الفكر "التفكير في ما يعمل"، فيأخذ في توليد "المعاني" لإضفائها على الواقع الخالي من المعنى. هذا الرفض يتخذ طرقا متعددة، طرقا ملتوية تخفيه كرفض وتغلفه. من بين هاته "الطرق" المجاز اللفظي والبيان اللغوي، وتوليد العبارات التي، من شدة بيانها وفصاحتها، ومن كثرة ما تردد وتلاك، تنتهي بأن تقنع قائلها، وتوهمه أنها تقنع من تتوجه إليهم. ولنا في العبارات التي لا نكف نسمعها اليوم، أمثلة على ذلك: كعبارة "التدمير الخلاق" التي تبرر تفكيك المؤسسات والقضاء عليها بتحويلها إلى عملية مجددة "خلاقة"، أو عبارة "العمليات الجراحية" التي تخفي قتل المدنيين تحت استعارة الطب الدقيق، ونعت موتهم بأنه من "الأضرار الجانبية"، ودائما بتوظيف استعارة الطب الذي قد تولد أدويته "أعراضا جانبية".
لا يظل المجاز هنا شكلا من أشكال البيان، ولا يعمل كتزيين و"بديع" بريء، وإنما يغدو آلية للتغليف والتعمية: فحين تنكسر صلة المعنى بالفعل، تتكفل الاستعارة بالترميم، وحين يرفض الفكر مواجهة حقيقة ما يقوم به، والاعتراف بما يصدر عنه، يلجأ إلى توليد معان مصطنعة تضفى على واقع خال من المعنى. الصياغة البارعة، والعبارة الموفقة لا تكتفي بأن تبدل الكلمات، بل ترمي إلى أن تبدل الضمائر، وهي تمنح قائلها شعورا بالسيطرة على المعنى، لكنها في الحقيقة تزيده انفصالا عن الواقع، فتحجب الرؤية، وتضاعف من إنتاج اللامعنى ذاته الذي تحاول التستر عليه.
وهكذا، فما كان ينبغي أن يسمى "تصفية سياسية"، يسمى "تطهيرا"، وما كان يلزم أن يدعى "قصفا عشوائيا"، يسمى "عملية جراحية"، وما كان يلزم أن يسمى "إفقارا ممنهجا"، يسمى "حربا اقتصادية"، وهكذا. لسنا إذا أمام محسنات بديعية، وإنما أمام آلات تعمية تلبس العنف قناع العناية، فتعمل على تزييف اللغة، كخطوة أولى لتزييف الضمائر.
هندسة إدراكية
في مثل هذه الصيغ، التي تحول اللغة من ناقل إلى "ناقلة جنود"، لا يكون المجاز تجميلا للكلام، بل يصبح أداة هندسة إدراكية، تحول الخراب إلى فعل عقلاني، والمأساة إلى ضرورة تقنية، وتزرع في الوعي الجمعي لغة تبرر ما لا يمكن للغة المنطق أن تبرره. لكن القلب الذي يتم هنا هو أن الاستعارة، عوض أن تحول الأفكار المجردة إلى صور ملموسة، فإنها تحول الملموس إلى مجرد، والمعقد إلى مبسط، والواقع إلى خيال. فحين تضع المعنى على ناقلة جنود لغوية، يصل سريعا ويغدو أكثر فعالية.
كتبت آرندت: "السر – ما يدعى دبلوماسيا بـ "التستر أو الكتمان"، أو ما يعرف بـ "أسرار السلطة"، والخداع والتزييف المتعمد والكذب الصريح، كل هذه الأمور التي تستخدم كوسائل مشروعة لتحقيق الأهداف السياسية، كانت دوما جزءا من التاريخ منذ أقدم العصور. لم يكن الصدق يوما من بين الفضائل السياسية، بل كان الكذب دائما وسيلة مشروعة تماما في الشؤون السياسية. ومن يبذل جهدا في التفكير في هذا الأمر، لا بد أن يصدم بمدى إهمال فكرنا السياسي والفلسفي التقليدي لطبيعة الفعل من جهة، وقدرتنا على تشويه الحقائق الواضحة بالفكر والكلام من جهة أخرى".
فإذا كان الخداع والتزييف متأصلين في السياسة، فليس لأن السياسة هي عالم اللاأخلاقية أو إشباع رغبة القوة لدى أولئك الذين يحتكرون العنف، بل لأن السياسة تقوم على الفعل البشري. إذا أضفنا إلى هذا، أن الفعل البشري نفسه يتحدد باللغة، التي هي التي تفكر، أدركنا الرباط الذي يربط اللغة بالخداع السياسي.
توجيه وإخضاع
قال رولان بارت في درسه الافتتاحي بالكوليج دي فرانس: "ليس النطق، أو الخطاب بالأحرى، تبليغا، كما يقال عادة، إنه إخضاع. اللغة توجيه وإخضاع معممان...لقد استطاع رينان أن يدرك أن اللغة لا تنحصر في ما تبلغه، وأنها يمكن أن تتخطاه لتسمع، عن طريقه، وبلهجة صارخة، غير ما تقوله، مضيفة إلى الصوت الواعي المتعقل للذات الناطقة، الصوت المهيمن العنيد القاسي للبنية، أي صوت النوع البشري بما هو ناطق. كان خطأ رينان تاريخيا لا بنيويا. إنه كان يظن أن اللغة الفرنسية التي أبدعها، كانت ترغم على التعبير عن عقل سياسي لم يكن ليكون في نظره إلا ديموقراطيا. بيد أن اللسان، من حيث هو إنجاز كل لغة، ليس بالرجعي ولا بالتقدمي، إنه، بكل بساطة، فاشي. ذلك أن الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه. إن اللغة، ما إن ينطق بها، حتى وإن ظلت مجرد همهمة، فهي تغدو في خدمة سلطة بعينها".
اللغة ليست أداة تبليغ، وإنما وسيلة إرغام. إنها لا تصف واقعا، بل تصنعه وتعيد إنتاجه. معنى ذلك أن الصياغة اللغوية "الناجحة"، والعبارة الموفقة، والتملك الوهمي للمعنى لا يكتفي بأن يدل ويعكس، وإنما يسهم هو كذلك في الانفصال عن الواقع، والزيادة من لامعناه. هنا يكون ثمن البلاغة اللفظية تضحية مضاعفة بواقعية العالم، واستلابا مزدوجا بالنسبة للواقع.
لكن، وفضلا عن هذا، عندما ينسلخ الفكر عن جذوره الواقعية، فإنه لابد وأن ينفصل عن جذوره الأخلاقية. وهكذا يترجم الاستلاب الواقعي باستلاب أخلاقي، لأنه يكون استلابا بالنسبة للبعد الإنساني للواقع.
حينئذ تكتمل الحلقة، فيغدو المجاز، الذي كان يود أن يتستر على اللامعنى الأولي، مولدا للا معنى جديد، وتغدو اللغة المجازية في هذا المجال عنيفة بمعنى مزدوج: فبما أن المجاز الذي بدأ كحيلة لتغطية اللامعنى يتحول إلى مولد لا معنى جديد، فإنه يغدو عنفا مزدوجا: عنفا ضد ما هو كائن، وعنفا ضد ما ينبغي أن يكون، عنفا ضد "الواقع"، وعنفا ضد "القيم".
عن مجلة :" المجلة "
