Sunday 31 August 2025
كتاب الرأي

المريزق المصطفى:الأحزاب السياسية المغربية.. أزمة الوساطة ومداخل التجديد في ضوء "الطريق الرابع"

 
المريزق المصطفى:الأحزاب السياسية المغربية.. أزمة الوساطة ومداخل التجديد في ضوء "الطريق الرابع" المريزق المصطفى
مساهمة في النقاش العام بمناسبة اقتراحات الأحزاب السياسية لوزارة الداخلية-الجزء 2
 
تعيش الأحزاب السياسية المغربية أزمة بنيوية عميقة، تتجلى في تراجع دورها التأطيري والتمثيلي، وعجزها عن مواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة، خاصة في ما يتعلق بقضايا الفئات الهشة والتفاوت المجالي. هذا المقال يقارب هذه الأزمة من منظور سوسيولوجي نقدي مستلهم من "الطريق الرابع"، كمقاربة جديدة في التفكير السياسي المغربي، ويدعو إلى إعادة بناء الفعل الحزبي على أسس المواطنة، العدالة الاجتماعية، والانخراط الميداني، والانفتاح على الشباب والنساء...
 
بادئء ذي بدء
تشكل الأحزاب السياسية حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، إذ تُناط بها وظائف تأطير المواطنين، تمثيلهم، وضمان التداول السلمي على السلطة. غير أن هذا الدور التقليدي عرف تراجعًا ملحوظًا في السياق المغربي، حيث تحول الكثير من الأحزاب إلى أدوات انتخابية محضة، بعيدة عن هموم المجتمع وقضاياه العميقة، وعلى رأسها التفاوت الاجتماعي والمجالي، وهذا ما يهدد التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.
في هذا السياق، يطرح "الطريق الرابع" تصورًا بديلاً لإعادة بناء العمل الحزبي، انطلاقًا من فهم سوسيولوجي معمق للهامش، ومن نقد جذري للبنيات والمؤسسات الحزبية القائمة.
 
1. الأحزاب كوسيط سياسي تقليدي: نحو انقراض الدور؟
شهدت مرحلة ما بعد الاستقلال حضورًا قويًا للأحزاب السياسية في المجال العمومي، غير أن هذا الحضور تراجع منذ التسعينيات، ليتحول الفاعل الحزبي تدريجيًا إلى مقاولة انتخابية، تتوخى الربح السياسي أكثر من تمثيل المواطنين.
اليوم، تفقد هذه الأحزاب القدرة على الوساطة، مع تصاعد الحركات الاحتجاجية، ونمو وسائل الإعلام البديل، مما يجعلنا أمام سؤال حاسم: هل ما زالت الأحزاب تمثل الشعب؟ 
 
2. التفاوت الاجتماعي: الفشل في احتواء الفئات المتضررة
أ. الفئات الهشة خارج حسابات الأحزاب
أصبح من الجلي أن الشباب، والنساء، وسكان القرى الجبلية والأحياء الهامشية لم يعودوا يجدون أنفسهم ممثلين داخل المشهد الحزبي. يرجع ذلك إلى غياب المقاربة الترابية-الاجتماعية لدى الأحزاب، واستعاضتها بخطاب انتخابي فضفاض ومناسباتي.
 
ب. الهامش المنسي
لا حضور فعلي للأحزاب داخل القرى الجبلية، أو أحياء "الحاشية السفلى". لا مشاريع، لا تأطير، لا مبادرات ثقافية أو تنموية. ويُستعاد الحديث عنهم فقط لحظة الاقتراع.
 
ج. الشعارات والوعود بدل البرامج 
تُطرح قضايا الفقر والبطالة والتمدرس والصحة ضمن البرامج الانتخابية، لكن لا يتم تضمينها ضمن رؤية سياسية واضحة، بل يتم توظيفها كوقود للخطاب السياسي دون التزام فعلي بالمعالجة.
 
4. أزمة الثقة وهوية الحزب
أ. وسطية غامضة وانقسام إيديولوجي
الكثير من الأحزاب تبنّت خطابًا وسطيًا بلا ملامح، بينما تتصارع أخرى حول مرجعيات تقليدية تجاوزها الزمن. هذا التذبذب زاد من الضبابية، ودفع فئات واسعة إلى العزوف السياسي.
 
ب. غياب الديمقراطية الداخلية
تتحول القيادات الحزبية إلى مراكز قرار مغلقة، ما يُقصي الشباب والنساء، ويجعل الحزب بنية عمودية غير منتجة للثقة ولا المشاركة.
 
5. الطريق الرابع: مشروع لإعادة بناء الفعل الحزبي
يقدم "الطريق الرابع" تصورًا حزبياً بديلاً يقوم على:
أ. حزب كمؤسسة مواطِنة
الحزب لا يجب أن يكون وسيلة للوصول إلى السلطة، بل صلة وصل دائمة بين المواطن والدولة، يعمل على تمثيل الفئات الهشة وتمكينها.
 
ب. الحضور في الهامش
ضرورة تأسيس تنظيمات ميدانية منغرسة في قرى الهامش، عبر العمل الاجتماعي والتربوي، وليس فقط عبر الخطاب السياسي الموسمي.
 
ج. التربية السياسية
الحزب، كما في التجارب الديمقراطية العريقة، يجب أن يكون مدرسة للتربية على المواطنة، لا مجرد تجمع انتخابي.
 
د. تجاوز الزعامة الفردية
دعوة صريحة إلى تداول القيادة، إشراك الشباب والنساء، واحترام الرأي المخالف، لبناء حزب ديمقراطي داخليًا قبل أن يكون كذلك خارجيًا.
 
6. نحو أفق جديد: مداخل عملية للإصلاح
إطلاق مشاريع ثقافية وتربوية حزبية، تُعزز من حضور الحزب داخل المجتمع.
ربط الحزب بـ الحركات الاجتماعية، وتبني قضاياها وليس التنازع معها.
انخراط فعلي في الثورة الرقمية، من خلال تطوير وسائل التواصل والانفتاح على الإعلام البديل.
احترام العدالة المجالية كمبدأ، عبر تمثيل المناطق المنسية وتمكين ساكنتها من القرار السياسي.
 
خاتمة
اليوم، تواجه الأحزاب السياسية المغربية امتحانًا حقيقيًا في ظل عمق التفاوت الاجتماعي والمجالي، وضعف التأطير السياسي، وتآكل الثقة الشعبية. وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ماسة إلى تصحيح المسار.. نموذج فعل حزبي بديل، لا يكتفي بتعديل الخطاب واقتراح المذكرات، بل يُغير الفلسفة، ويعيد تأسيس علاقة عضوية بين الفاعل السياسي والمجتمع. وفي هذا السياق، يشكل "الطريق الرابع" دعوة فكرية وميدانية لإعادة تصور الفعل الحزبي، بما يخدم الكرامة، المواطنة، والعدالة الاجتماعية.
المريزق المصطفى ،مؤسس الطريق الرابع