الأحد 26 يونيو 2022
سياسة

بنيس: كيف تحول توقيف الجزائر إمداد إسبانيا بالغاز إلى رصاصة الرحمة ضد قصر المرادية

بنيس: كيف تحول توقيف الجزائر إمداد إسبانيا بالغاز إلى رصاصة الرحمة ضد قصر المرادية الغاز الذي كان يمر من المغرب كان يمثل 20 في المائة من الغاز الذي تستورده إسبانيا من الجزائر
حينما قامت الجزائر بوقف العمل بأنبوب الغاز الذي يربطها بإسبانيا و البرتغال عبر المغرب، فإنها ارتكبت خطأ جسيما وكان هذا القرار بمثابة رصاصة الرحمة لكل طموحاتها في منع المغرب من تحقيق اختراق كبير في حماية وحدته الترابية. 

كما كان هدية ربانية من الجزائر للمغرب، حيث إن هذا القرار قلّل من اعتماد إسبانيا على الغاز الطبيعي الجزائري، علماً أن الغاز الذي كان يمر من المغرب كان يمثل 20 في المائة من الغاز الذي تستورده إسبانيا من الجزائر.
كما أثبت هذا القرار للمسؤولين في الدولة الإسبانية أن الجزائر لم تعد دولة جديرة بالثقة و يمكن الإعتماد عليها للإستجابة لاحتياجات السوق الإسباني من الغاز.

 و بسبب رعونة و غباء جنرالات الجزائر، انخفضت واردات إسبانيا من الغاز الجزائري من 45 في المائة قبل بضعة شهور إلى 23 في المائة في نهاية الشهر الماضي. ولم تعد إسبانيا هي أول مورد للغاز لإسبانيا، بل الولايات المتحدة الأمريكية التي مدت إسبانيا بما يقارب 39 من احتياجاتها من الغاز حسب إحصائيات شهر فبراير.
 
ومن خلال تعامل إسبانيا مع ملف الغاز الجزائري، يتبين أن الدولة الإسبانية قد تعاملت مع هذا الملف بشكل استباقي منذ عدة سنوات، حيث قامت ببناء بنية تحتية جد متطورة في تخزين وتحويل الغاز المسال، مما جعلها من بين أكثر الدول الأوروبية تطوراً من حيث البنية التحتية في هذا المجال. ولنعرف الأهمية التي كانت يكتسيها الغاز الجزائري بالنسبة لإسبانيا، فإنه كان يمثل 60 في استهلاك إسبانيا في بداية الالفية.
 
ولعل هذا التعامل الإستباقي وبعد النظر الإسباني هو الذي ساعد إسبانيا على تجاوز الآثار المدمرة التي كان للقرار الصبياني لأطفال نظام الجزائر إلحاقها بالإقتصاد الاسباني.
وبسبب القرار الأرعن للنظام الجزائري بوقف العمل بأنبوب الغاز الذي كان يمر عبر المغرب- و الذي كان الهدف منه هو معاقبة و إلحاق الأذى باقتصاده- والبنية التحتية جد المتطورة التي تمتلكها إسبانيا، ستتكمن هذه الأخيرة في آخر المطاف من التقليل من تأثير الجزائر على اقتصادها ومن إضعاف ورقة الغاز التي ظل النظام الجزائري يستعملها لمدة خمسة عقود للضغط على إسبانيا وثنيها عن دعم مغربية الصحراء.
 
ولعل هذه التحولات هي التي دفعت إسبانيا لأول مرة إلى التعبير بشكل واضح عن دعم المغرب و وضع حد لسياسة أخذ العصى من الوسط أو equidistance التي نهجتها إسبانيا خلال العقود الماضية للحفاظ على مصالحها.
فإسبانيا تعلم أنه باستثناء الغاز، فإن شراكتها مع الجزائر شبه منعدمة، كما أن ميزان الأداء التجاري كان دائما لصالح الجزائر، بالمقارنة مع المصالح الكثيفة والمتعددة التي تجمع إسبانيا مع المغرب سواء تعلق الأمر بالجانب الإقتصادي و التجاري أو بالجانب الأمني والمصير المشترك بحكم القرب الجغرافي. 

فعلينا ألا ننسى أن هناك أكثر من 1000 شركة إسبانية تعمل في المغرب وأن إسبانيا أصبحت هي الشريك الإقتصادي رقم واحد للمغرب وأن المبادلات التجارية بين البلدين تخلق دائما فائضاً إيجابيا بالنسبة لها.
وعلى عكس ما يظنه البعض وما تقوله بعض الصحف الإسبانية، فإن هامش مناورة الجزائر أصبح منعدماً، ولن يكون بإمكانها اتخاذ أي قرار عقابي ضد إسبانيا. 

كل من يظن أن بإمكان الجزائر أن توقف تدفق الغاز لإسبانيا فهو يجانب الصواب.
 نحن نعلم أن عقود الغاز تكون عقودا طويلة الأمد على مدى سنوات وعقود، على عكس العقود المرتبطة بالنفط التي تكون في الغالب عقودا قصيرة الأمد. 
فالجزائر مرتبطة مع إسبانيا بالإتفاق الذي وقعته مع هذه الأخيرة عام 2018 بخصوص أنبوب ميدغاز الذي يربط مدينة بني ساف الجزائرية بمدينة ألمرية الاسبانية. وتمتد صلاحية هذا الاتفاق إلى غاية عام 2030.
 
ولن يكون بإمكان الجزائر وقف الغاز لإسبانيا و لا حتى بمراجعة شروطه المالية و أقلمتها مع الإرتفاع الحالي لأسعار الغاز. وفي حال قامت بذلك- ولن تقوم بذلك- فإنها ستخالف القانون الدولي الذي يؤطر هذه العقود بين الدول. كما أنها في هذا السيناريو المستبعد جداً ستكون عرضة للضغط من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي تعمل بشكل مضنٍ منذ شهور على تقليل اعتماد الإتحاد الأوروبي على الغاز الروسي.
 
كما أن أنبوب الغاز ميدغاز مملوك بنسبة 51 في المائة من طرف شركة سوناتراك الجزائرية، بينما تتقاسم شركة ناتورجي الإسبانية وشركة بلاكروك الأمريكية الـ49 في المائة المتبقية. وبالتالي، ففي حال قامت الجزائر بأي خطوة انتقامية ضد إسبانيا، فإنها ستكون في مواجهة مباشرة أمام الولايات المتحدة الأمريكية.
 
خلاصة القول أن الجزائر بفعل الحقد الأعمى لنظامها و غياب أي تصور استراتيجي لديهم، فإنهم قدموا إسبانيا للمغرب فوق طبق من ذهب و حققوا لهذا الأخير ما كان يتمناه منذ عقود. وما هذا إلا عقاب رباني لهذا النظام الغاشم الخائن على خياناته المتكررة للمغرب وعلى جحوده و على عمله لستة عقود على خدمة المنظومة الإستعمارية عوض مد يده للمغرب للتعاون من أجل بناء اتحاد مغاربي يخدم مصالح شعوب المنطقة ويجعل من دولها قوة إقليمية قادرة على لعب الدور الذي يليق بها وبتاريخها على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الدولي و على التحدث بصوت واحد في المحافل الدولية.
 
بالنسبة لي، فإن الخطوة التي أقدمت عليها إسبانيا ذات مغزى سياسي وسيكولوجي أكثر من أهمية الإعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء- الذي بالمناسبة أصبح السياسة الرسمية للولايات المتحدة أحب من أحب و كره من كره- و بدون شك ستشكل صدمة قوية للنظام الجزائري، لأن إسبانيا هي البلد الذي كانت يحتل الصحراء المغربية وهو البلد الذي تواطأت معه الجزائر منذ نهاية ستينيات القرن الماضي للحيلولة دون تمكن المغرب من استكمال وحدته الترابية.

 و بعد مرور خمسين سنة، استطاع المغرب في آخر المطاف تفكيك محور الجزائر-مدريد، الذي عمل في الخفاء لمعاكسة المغرب. كما إن لإسبانيا كلمة و نفوذا سياسيا وثقافيا في دول أمريكا اللاتينية ولا شك أن تموقعها الجديد سيؤثر على تموقع العديد من دول تلك المنطقة.