الاثنين 10 أغسطس 2020
كتاب الرأي

المصطفى روض: ملعب فيكتور خارا

المصطفى روض: ملعب فيكتور خارا المصطفى روض
عندما وصلت إلى العاصمة التشيلية سانتياغو في فاتح يناير العام 2011، كان فيكتور خارا يحضرني بقوة أكثر من غيره من السياسيين و المثقفين التقدميين الذين اغتالتهم القوات العسكرية للنظام الديكتاتوري بينوتشي عام 1973 غداة الانقلاب العسكري الغادر الذي أمر بتنفيذه الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، و في الحقيقة لم أكن اهتم بهذا الاهتمام التمييزي الذي أوليه لفيكتور خارا أكثر من غيره، فالأمر ربما يعود إلى تعلقي بشخصيته  كمثقف عرف كيف يبدع أغانيه الثورية باستلهام نصوص شعرية يكتبها من حرقة الأوضاع السياسية والاجتماعية، التي كانت مختلف الطبقات الشعبية في هذا البلد اللاتيني الجميل، تعاني منها و تناضل في سبيل تجاوزها نحو أوضاع سياسية و اقتصادية أفضل لتستجيب لطموحاتهم بما يضمن لها العيش بكرامة و الحياة بحرية، و هي الطموحات التي كان فيكتور خارا يحولها إلى أشعار و أغاني بأسلوب خالي من القوالب الإيديولوجية الجاهزة التي اعتمدها مغنون ثوريون آخرون، ليجعلوا منها مجرد غنائيات محنطة و خالية من بعدها الإنساني و الفني. و المغني خارا كان عضوا بارزا في الحزب الشيوعي التشيلي رفقة الشاعر العالمي بابلو نيرودابعد ان كان إطارا في الشبيبة الشيوعية ، هو رجل مسرح و أكاديمي كان يدرس بالجامعة، لكنه بذكائه الخارق اتبع خطوات المغنية الشيوعية الكبيرة فيوليتا بارا، شقيقة الشاعر الكبير نيكانور بارا، و تأثر بتجربتها قبل أن ترحل في عملية انتحار ظلت منذ العام 1969 جرحا غائرا في قلب التقدميين و مواطني التشيلي الذين يواصلون الاستماع إلى أغانيها بشوق و حنين و محبة نادرة.
 لقد انشغلت بفيكتور خارا لدرجة لم أتأخر كثيرا لكي أعثر غرب سانتياغو على الملعب الذي اغتالته فيه عناصر جيش النظام الديكتاتوري بعد أن كنت أخرج من الشقة التي كنت أسكنها للبحث عنه. الملعب تم بناؤه سنة 1949 و كان يحمل اسم ملعب التشيلي، لكن بعد رحيل الديكتاتور بينوشي عن السلطة، سيتم إطلاق اسم جديد على الملعب عام 2003، ألا و هو اسم ملعب فيكتور خارا تكريما له و حرصا على حفظ الذاكرة لكي يبقى الشعب و التاريخ خارج النسيان لأكبر فاجعة تسبب فيها الديكتاتور بيونوشي عندما حولت قواته الفاشية الملعب إلى مركز سجني للاعتقال و التعذيب، إذ سجنت بداخله خمسة آلاف سجين من اليساريين التقدميين كان ضمنهم فيكتور خارا الذي كان يحمل معه قيتارته، و هناك كتب آخر قضائده الغنائية التي ظلت بلا عنوان يقول في مستهلها: "نحن خمسة آلاف هنا، في هذا الجزء الصغير من المدينة، فكم نحن في المجموع  في المدن و كل البلاد، نحن هنا عشرة آلاف يد تزرع و تشغل المصانع..."، لكن ما أن بدأ يعزف قيثارته و يغني، حتى انهالت عليه ضربات عناصر الجيش التي تمكنت من قطع أصابعه لكي يتوقف نهائيا عن الغناء و العزف بعد أن لاحظ الفاشيون تجاوب كل سجناء الملعب مع غنائه الثوري الساحر الذي جعله، على غرار رفيقته المغنية الشهيرة فيوليتا بارا، سلاحا فنيا لمقاومة الديكتاتورية، غير أن الجنود الفاشيين قتلوه بالرصاص الذي مزق جسده اعتقادا منهم بان هذا الفعل الفاشي سيكون كافيا لقتل رمزية فيكتور خارا الذي أصبح حاضرا بقوة هذه الأيام في كامل التراب التشيلي خلال كافة مظاهرات الحراك الشعبي المطالب بإسقاط الرئيس و نظامه النيوليبيرالي سواء بحمل صوره أو بغناء أغانيه من قبل مجموعات غنائية.
فيكتور خارا الذي حضرني بقوة و انا في سانتياغو، كنت أرى اسمه في كل الأمكنة، اسم لمراكز ثقافية، صوره محمولة في بطاقات بريدية، و في لوحات لفنانين تشكيليين، و في ملصقات معلقة بالمقاهي و داخل جدران المؤسسات التعليمية، كما تحمله قصائد العديد من شعراء التشيلي و باقي بلدان أميركا اللاتينية.
 
للحديث بقية في الجزء الثاني