السبت 10 يناير 2026
مجتمع

فَاعلية الحقوق تبدأ من لحظة تملكها من قبل المجتمع حسب وسيط المملكة

فَاعلية الحقوق تبدأ من لحظة تملكها من قبل المجتمع حسب وسيط المملكة حسن طارق وسيط المملكة يدعو لنهوض ثقافي بالحقوق

يرى حسن طارق وسيط المملكة إن الحقوق ليست سلع معروضة في أروقة الدساتير والقوانين، جاهزة للاستهلاك، ذلك أن فَاعليتها التاريخية تبدأ من لحظة تملكها من قبل المجتمع، وهذا التملك بحاجة إلى تمثل ثقافي، ووعي قيمي، ومعرفة تاريخية وفلسفية، وكذلك بحاجة إلى حد أدنى من المعرفة.

أوضح حسن طارق الذي كان يتحدث في افتتاح لقاء تواصلي، الجمعة 9 يناير 2026 بالرباط، تنظمه مؤسسة وسيط المملكة بشراكة مع الجامعة الشعبية المغربية، تحت شعار " الإدارة أفقا للتفكير"، أن هذا التمثل الثقافي، كان قد أشار اليه المفكر عبد الله العروي، حينما اعتبر أن بناء المواطنة يحتاج إلى مقومات ثقافية واجتماعية وأخلاقية، -مهما وجدت إن وجدت- يمكن أن نتصور إمكانية تجسيدها ولو على مراحل مثلا (حق بدون وعي)، وذلك في ختام محاضرة له حول موضوع "المواطنة والمُساهمة والمُجاورة" نظمتها في دجنبر 2024 الجمعية المغربية للبحث التاريخي بالمكتبة الوطنية للمملكة بالرباط.

وبعدما أكد بأن موضوع الإدارة، يندرج في صُلب المهمة الدستورية لوسيط المملكة، وأن هذه المهمة المضاعفة تنتبه بطبيعتها إلى تعقد الحالة الثقافية، بحيث تتداخل صَلاحيَّتي حماية الحقوق والنهوض بثقافة حقوق الإنسان، بشكل جدلي، شدد حسن طارق على أن الحماية المؤسساتية المسطرية القانونية ضرورية وشرط لدولة القانون، لكنها تحتاج- في نظره- إلى جهد كبير للنهوض الثقافي بهذه الحقوق .

معرفة "عالمة " بالإدارة

وقال " في جزء كبير من عملنا نحتاج إلى معرفة "عالمة " بالإدارة: نحتاج لفهم عملها ومساطرها واختلالاتها، الأمر هنا ليس مجرد أفكار مستقاة من الحس العام أو الانطباعات العابرة أو الاختزالات الجاهزة، معبرا عن يقينه الراسخ بأننا أمام تحولات كبرى تعرفها الإدارة، وتعرفها تمثلات المجتمع حولها، وأن ما تنتجه الجامعة حول الموضوع تغلب عليه المقاربات القانونية والمعيارية والنصية والمسطرية،

وأضاف في هذا الصدد: " كما لو أننا تركنا كل إشكالات وتعقدات وتحولات الإدارة بيد حقل معرفي واحد: القانون الإداري، والحال أننا أمام ظاهرة تحتاج على السوسيولوجيا، التاريخ والفلسفة وعلم النفس وعلم السياسة والانثروبولوجيا" مستخلصا في هذا الصدد على أن الوارد اليومي على المؤسسة، كطلب على الوساطة، (شكايات، تظلمات، طلبات للتسوية)، يمنحها بعض مسالك التفكير في هذه التحولات التي الأطر المعرفية الحدودية حول الظاهرة، مقدما أمثلة على ذلك فيما ترصده مؤسسة وسيط المملكة من تحول أنماط جديدة للحضور الإداري داخل المجتمع تبرز وفق للخطاطة التالية، التي تقدم الإدارة في صُور جديدة حددها في إدارة السياسات إدارة اللايقين وإدارة المنصات.

المواطنة والحق

لكن حسن طارق لاحظ، بأن هُناك عجزاً بيناً في توصيف المظالم بلغة القانون وبمفردات الحقوق، وأن الأمر -في النهاية- ليس مُجرد عجز في اللغة بل في العمق، أزمة تمثل للمواطنة وللحق وأزمة وُلوج ثقافي للحقوق، وذلك بناء على ما تتعلمه المؤسسة يومياً من دلالات الالتقاء المباشر مع تظلمات المرتفقين.

وفي معرض حديثه عن اللقاء التواصلي، فتساءل أولا لماذا "الإدارة أُفقاً للتفكير"؟ ليوضح أن مؤسسة الوسيط كهيئة حكامة وبحكم انتدابها الدستوري القائم على حماية الحقوق والنهوض بقيم التخليق والشفافية والمسؤولية وجودة المرافق تبقى مَعنية بتنمية الحوار العُمومي ومُواصلة مُنتديات الحكامة، وبالانفتاح في ذلك على الجامعة والمجتمع المدني، فضلا عن كونها كهيئة حكامة تُوجد في قلب الإلتقاء بين القانون والمعايير والمعرفة والخِبْرة، وكذلك ولأن تموقعها المؤسساتي يَجعلها بنية مرجعية في إنتاج الآراء والتقييمات والتحاليل، وهو ما يحتاج إلى الكثير من العُمق.

الإدارة أفقاً للتفكير

وبعدما ذكر حسن طارق بأن الفكرة التي تقدم اليوم هي برنامج لسلسلة من الدروس تحت شعار: "الإدارة أفقاً للتفكير" الذي هو برنامج في عُمقه اعتراف وتنويه وتشجيع تجاه تجربة مُواطنة، إرادوية، مدنية، تطوعية، مُلتزمة، مُبادرة من أجل دمقرطة المعرفة وتَقاسم المعارف تجاه رجل مناضل، مثقف، رمز للالتزام الجماعي.

وأثار الانتباه إلى أن مؤسسة الوسيط، تنظيمها لهذا النشاط الإشعاعي الأول في 2026، قررت أن تكون هذه السنة "سنة الوساطة المرفقية" لأنها تؤرخ لمرور ربع قرن على انطلاق التجربة المؤسساتية، ولأنها تأتي مباشرة بعد الموافقة الملكية السامية على إقرار يوم 9 دجنبر يوما وطنيا للوساطة.

وخلص وسيط المملكة إلى القول بأن فكرة الجامعة الشعبية، تنطلق من الإيمان بالحاجة إلى دمقرطة المعرفة، ليس كترف فكري أو لإشباع لنزعة ثقافوية بل كشرط واقف وحاسم وضروري لأي تقدم تاريخي مَحمول على أفق نهضوي، وبأبعاد حَضارية، علاوة على أنه لا يجب أن يكون لدينا أي وهم: التحولات الكبرى في التاريخ لم يحصل أن حدثت بمجرد قطائع سياسية أو طفرات اقتصادية أو انتصارات استراتيجية، بل دائما كانت بحاجة، إلى تحولات مجتمعية داعمة وإلى تملك جماعي لقيم المشروع الوطني المشترك وهبة ثقافية مُحفزة.

كما ألقى ادريس خروز مدير المكتبة الوطنية للمملكة المغربية الأسبق، الذي جرى تكريمه خلال هذا اللقاء عرضا ركز فيه على التحولات التي تعرفها الإدارة، وما تتطلبه من فتح مسالك جديدة لها، عوض التسلح بالأفق المعياري، والعمل على عقلنة المحاسبة وجعل الموارد والوسائل في مصلحة المواطنين وخدمة المواطنة. وبعدما توقف مطولا عند أهمية التكوين والتقنيات الحديثة، وأسئلة المناهج، خلص خروز الى القول بأنه لا حكامة بدون حرية و ديمقراطية وحرية المبادرة ومشروع مجتمعي منسجم ومتكامل، وذلك من أجل تحقيق الرفاهية الوطنية.

حكامة وحرية و ديمقراطية

وكان المصطفى المريزق رئيس الجامعة الشعبية المغربية، قد استعرض المراحل التي قطعتها هذه الجامعة التي تحتفى بمرور عقد من الزمن على احداثها، كتجربة مواطنة، كما سلط الضوء على مختلف المبادرات و الانشطة التي قامت بها وآفاق عملها برسم المرحلة المقبلة، في مجال إشاعة العدالة المعرفية والمجالية، وذلك ارتباطا بالتراث الثقافي والفكري والعلمي والتربوي والتنويري الكوني والإنساني.

وفي معرض تقديمه للأستاذ ادريس خروز أشاد الفاعل الحقوقي بوبكر لاركو رئيس المنظمة المغربية لحقوق الانسان بالخصال التي يتمتع بها المحتفى بها، متوقفا عند مساره المتميز خاصة في مجالات التدريس الجامعي والبحث العلمي، وهو ما أهله لتولى العديد من المهام والقيام بمسؤوليات متعددة منها فضلا عن ادارته للمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، رئاسته للشبكة المغربية لمؤسسة أنا ليند للحوار بين الثقافات، وعضويته بكل من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية و اللجنة الاستشارية الدولية لليونيسكو ( ذاكرة العالم ).