الأربعاء 7 يناير 2026
كتاب الرأي

المصطفى رياني: الأدب أفقا لبناء المعنى

المصطفى رياني: الأدب أفقا لبناء المعنى المصطفى رياني

يشكل الأدب أفقا للتعبير عن قضايا الإنسان في علاقته بوجوده الواقعي و ما تزخر به مخيلته، لمعالجة مواضيع ذاتية وموضوعية وبطريقة فنية وإبداعية تعبيرا عن ما يعيشه الإنسان المعاصر من محن ومعاناة وآمال لبناء حياة أفضل. و يلعب المتخيل الإبداعي دورا أساسيا في إعادة تشكيل الواقع من طرف الكاتب بين ما هو كائن و ما يفترض أن يكون. لأن الكتابة لا يمكن عزلها أو إبعادها عن محيطها وواقعها  العام التي تتنفس به، بالرغم من المسافة التي تفصل الكاتب عن الواقع، عبر طريقة اشتغاله على النص وطبيعة العلاقة التي يقيمها مع اللغة الأدبية. يجعل المتخيل يتفاعل بطريقة متعددة ومتداخلة مع الذاكرة والماضي و الواقع متأثرا بحضوره وثقله.  لكن لماذا نكتب؟ وما علاقة الكتابة بالمتخيل الفردي والجماعي؟ وكيف تعمل  الكتابة على إعادة بناء المعنى الإنساني في عالم متغير و سريع ؟

إن الكتابة الأدبية تجعل الكاتب في حوار و تواصل جدلي مع الفكر و الأدب و النقد و الواقع. كما تمنحه الطاقة الإيجابية للتفكير و الإبداع بشكل عميق و مستمر، لتفكيك التفاهة و إعادة بناء الواقع من أجل عالم إنساني ينتصر لقيم الحوار و التفاهم و التضامن و التعاون و نبذ الكراهية و العنصرية و الإقصاء.  و الكتابة النبيلة تجعل الحياة ممكنة بالرغم من الإكراهات و التناقضات و الصراع و المصاعب التي تعترض الإنسان. كما أن الكتابة الأدبية الحقيقية هي التي تبحث عن المعنى و الأمل في عالم مضطرب باللايقين و الحروب و الصراعات. إن الكتابة الإبداعية تمنح الإنسان مسالك النجاة من اليأس و الضياع و الاغتراب. و ذلك بربط الوجود الإنساني بأهداف نبيلة يطمح إلى تحقيقها.

في هذا السياق، شكلت المتغيرات الكبرى التي عرفها العالم محطات حاسمة عند  الأدباء من أجل الكتابة والإبداع في مختلف الأجناس الأدبية، في الرواية و القصة و الشعر و المسرح، بالرغم من اختلاف منطلقاتهم الفكرية والأدبية. واستطاعوا إبداع أعمال أدبية وفكرية رفيعة طبعت تاريخ البشرية إلى الأبد. تناولت الوجود الإنساني في شروطه الاجتماعية وعلاقات الصراع القائمة في المجتمع والتطلع نحو الحرية  أو من خلال معالجة قضايا الإنسان في علاقته بالموت والحياة والأمل، في وضعيات مختلفة كالسلم والحرب أو فيما يتعلق بمحاولة فهم الطبيعة البشرية المتغيرة، كأعمال فيودور دوستويفسكي و ليو تولستوي و أعمال كل من بالزاك و زولا و فلوبير و التعبير عن العلاقات الاجتماعية و تحول القيم في المجتمع البورجوازي. كما شكل الإبداع الأدبي في العالم العربي قفزة نوعية في تفاعله مع أسئلة و تحولات الواقع العربي و نقده في علاقته بالذات والآخر لبناء مجتمع آخر ممكن.

و يرى ميخائيل باختين أن الكتابة الإبداعية تنفتح على الواقع ليتضمن النص مختلف التعبيرات والآراء والأفكار المتفاعلة  والمتصارعة بطريقة موضوعية تعبر عن تعدد الأصوات لمختلف الفئات الاجتماعية. تعطيه في نفس الوقت الدينامية والحيوية والجمالية المطلوبة. في هذا السياق عكست الكتابة  الإبداعية ما بعد الحرب العالمية الثانية متخيلا و وعيا إبداعيا مغايرا كالسريالية والوجودية لجون بول سارتر وأندري مالرو وسيمون دو بوفوار والواقعية الجديدة والتعبير عن قضايا الإنسان المعاصر في أبعاده المختلفة . كما أصبح الإبداع الأدبي يعكس وعيا جديدا لإعادة صياغة الوعي المعاصر على أسس إنسانية جديدة، تدعو إلى الحرية و السلم والعيش المشترك ونبذ الحرب والتسلح. وهذا يبين أن الإبداع الحقيقي يبحث دوما على إعادة تشكيل المعنى الإنساني، حتى وإن اعتمد الكاتب أسلوبا مكثفا ورمزيا مليئا بالاستعارة والغموض، باعتبار النص يظل دوما منفتحا على القراءة المتعددة و تأويل المتلقي. وذلك للكشف عن المعنى العميق لبنيته اللغوية و جماليته وامتداداته الفكرية والثقافية والاجتماعية.

إن مجد الأدب يبنى (بضم الياء) بقدرته على المعالجة العميقة لأعطاب المجتمع المعاصر وتفكيك وتحليل بنياته لتخليصه من تناقضاته الفتاكة ومن بينها استغلال الإنسان والإجهاز على شروط العيش الكريم في عالم يتغول فيه الرأسمال ويسلب من الآخرين كل إمكانيات الحرية وتحويلهم إلى أرقام استهلاكية في معادلة العرض والطلب. كما أصبح الإنسان المعاصر مفرطا في ماديته بحيث فقد مبادئه الإنسانية وقيم التضامن بتضخيم الذات وأناها المتعالي في عالم نسبي. يفترض التضامن المجتمعي للتعاون والتكامل بين مكونات المجتمع من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة. إنها مسؤولية الكتابة بمختلف أجناسها لرسم صورة جديدة لعالم الغد، بكل النقد والتفكيك المطلوب لبناء مجتمع إنساني متضامن أكثر حرية و أمنا وعدلا.

أيضا، ومن مهام الكتابة الدفاع عن الحياة في عالم هيمنت عليه الحروب والكوارث والتهميش نتيجة الكراهية والعنصرية. إنها مرحلة التأمل في ما يجمعنا ويوحدنا وفي ما يصنع اختلافنا، للبحث عن إمكانية المعالجة على أرضية الإنصاف و الاعتراف و العيش المشترك، و إعادة الاعتبار لإنسانية الإنسان الذي تم تشييؤه واستلابه بثقافة الاستهلاك والتقنية و الرقمنة. في هذا السياق، يعتبر الإبداع الفكري و الأدبي الأصيل رافعة أساسية لتطور المجتمع الإنساني و مقاربة الوجود الإنساني في معادلة الواقع والكون لإنتاج المعنى المتجدد ، حتى لا يجد الإنسان نفسه متجاوزا في عالم متغير يتميز بالحداثة السائلة و السرعة و اللايقين.

إن الكتابة عن الواقع السائل و المتغير يفترض و عيا و تفكيرا  علميا و أدبيا مبدعا وخلاقا لطرح الأسئلة التي تهدف إلى معالجة مشاكل و سلبيات الواقع و ما يعرفه من تفاهة و تناقضات بمقاربة عقلانية و موضوعية.  تعتمد التحليل و التفكيك لربط الظواهر بأنساقها وأبعادها الثقافية و الاجتماعية و السياسية، لإعادة بناء المعنى، باقتراح الحلول الممكنة في عالم متغير وسريع. يفترض معالجة الأعطاب و السلبيات، بإرادة حكيمة و نزيهة، لمواكبة العصر و مواجهة التحديات ، باعتماد المعرفة الأدبية و الفكرية و العلمية التي تخدم مصلحة الإنسان و تحميه من الهيمنة و الاستلاب و تفتح له أفقا للأمل و العيش بكرامة في واقع أفضل.

المصطفى رياني،  أستاذ باحث في الترجمة