الأحد 6 إبريل 2025
خارج الحدود

مسرحية بورصة نيويورك.. بين الوهم والواقع

مسرحية بورصة نيويورك.. بين الوهم والواقع في نظر الرئيس ترامب، مؤشرات بورصة نيويورك لا تمثل الرفاه الحقيقي للشعب الأمريكي
يُعرف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بموقفه الصريح تجاه بورصة نيويورك، إذ يصرّح دومًا بأن مؤشراتها لا تعنيه، معتبرًا أنها لا تعكس واقع الاقتصاد الأمريكي الحقيقي. فالشركات الكبرى المدرجة في بورصة نيويورك، والتي تُتابَع عبر مؤشرات مثل “داو جونز” و”S&P 500”، تعتمد بدرجة كبيرة على عملياتها خارج الولايات المتحدة. وبناءً عليه، فإن ارتفاع أو انخفاض أسهمها لا يرتبط بالضرورة بتحسّن سوق العمل الأمريكي أو بزيادة القدرة الشرائية للمواطنين. من هذا المنطلق، يرى ترامب أن هذه المؤشرات لا تُمثّل الرفاه الحقيقي للشعب الأمريكي.
 
في ضوء هذه الرؤية، جاء قرار ترامب الأخير بفرض رسوم جمركية على الواردات من دول العالم، وخصوصًا من الصين، كنقطة تحوّل بارزة. فقد أدّى هذا القرار إلى انخفاض ملحوظ في مؤشرات البورصة، وهو ما اعتبره البعض مؤشرًا سلبيًا. لكن من وجهة نظر ترامب، يمثّل هذا الانخفاض دليلًا على بداية استفاقة الشركات من “وهمها” الذي استمر طويلًا. لقد اعتادت هذه الشركات نقل استثماراتها ومصانعها إلى دول مثل الصين للاستفادة من تكاليف الإنتاج المنخفضة، ثم تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة للاستهلاك المحلي. وعلى الرغم من أن هذا النموذج يحقّق أرباحًا ضخمة لتلك الشركات، إلا أنه لا يساهم بشكل مباشر في خلق فرص عمل داخل أمريكا أو في تعزيز الاقتصاد المحلي.
 
يمكن تفسير انخفاض مؤشرات البورصة بعد فرض الرسوم الجمركية على أنه ردّ فعل طبيعي من الشركات التي بدأت تدرك أن الاعتماد المفرط على الخارج لم يعد خيارًا مستدامًا. وكما يأمل ترامب، قد يدفع هذا الوضع الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها والتفكير جديًا في العودة إلى الداخل الأمريكي. فبدلًا من أن تظل أمريكا مجرد سوق استهلاكية تستقبل السلع من الخارج، يسعى ترامب إلى استعادة دورها كمركز إنتاجي، بما يعنيه ذلك من خلق فرص عمل جديدة ودعم الاقتصاد المحلي.
 
بطبيعة الحال، لا تخلو هذه الرؤية من تحديات. فإعادة توطين الاستثمارات تتطلّب بنية تحتية قوية، وحوافز اقتصادية جذّابة، وربما تغييرات جذرية في السياسات الضريبية وسوق العمل. وتبقى هناك أسئلة ملحة: هل تستطيع الشركات تحمّل تكاليف الإنتاج المرتفعة في أمريكا مقارنة بالصين؟ وهل ستتمكن من الحفاظ على قدرتها التنافسية عالميًا؟ هذه القضايا لا تزال محل نقاش، لكن القرار بفرض الرسوم الجمركية قد زعزع أركان المسرحية التي طالما عُرضت على خشبة بورصة نيويورك.
 
يحاول ترامب من خلال هذا الموقف أن يُحوّل الأنظار من الأرقام البراقة على شاشات البورصة إلى الواقع الملموس في الشارع الأمريكي. إنها دعوة لإعادة تعريف “النجاح الاقتصادي” بما يتجاوز أداء الأسهم، ليشمل حياة المواطن ومستقبل الأجيال. وما إذا كانت هذه الخطوة ستحقّق أهدافها أم لا، فهذا ما ستكشفه الأيام القادمة على مسرح الاقتصاد العالمي.