اليوم، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مجموعة من الرسوم الجمركية العقابية على الصين بنسبة 34%، والاتحاد الأوروبي بنسبة 20%، وفيتنام بنسبة 46%، إلى جانب دول حليفة أخرى كاليابان والمملكة المتحدة. هذا الإعلان لا يمثل فقط تصعيداً اقتصادياً، بل إعلاناً صريحاً بتحول جذري في فلسفة التجارة الدولية التي طالما قادتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
ترامب قدّم خطوته باعتبارها يوم “التحرر” من ما وصفه بـ”النهب والاغتصاب الاقتصادي” الذي تعرضت له الولايات المتحدة على مدى عقود من طرف دول صديقة وعدوة على حد سواء. خطابه استند إلى سردية قومية تعيد تصوير التجارة الدولية كساحة صراع وجودي، حيث تمثل الميزان التجاري السلبي علامة ضعف يجب الرد عليه بكل الوسائل.
الرسوم التي فرضت على الصين والاتحاد الأوروبي واليابان تم تقديمها كإجراءات “عادلة”، إذ أكد ترامب أنه لم يفرض سوى نصف ما تفرضه تلك الدول على الصادرات الأميركية، في إشارة إلى ما يعتبره “ازدواجية” في قواعد التجارة العالمية.
هذا التصور لا ينفصل عن رؤية ترامب الصناعية التي ترى في فرض الرسوم وسيلة لإجبار الشركات على العودة إلى التراب الأميركي، وإعادة بناء قاعدة صناعية فقدت خلال عقود من العولمة. هو يرى أن كل شركة تقرر تصنيع منتجاتها في الخارج يجب أن تتحمل كلفة هذا القرار عبر رسوم مرتفعة. لكن هذه الرؤية تتجاهل تعقيدات سلاسل القيمة العالمية، وحقيقة أن العديد من الصناعات الأميركية تعتمد على مدخلات وخبرات خارجية يصعب تعويضها محلياً دون تكاليف هائلة.
تداعيات هذه الإجراءات لم تتأخر في الظهور. الأسواق المالية اهتزت، الدولار انخفض أمام اليورو والعملات الرئيسية، وشبح الركود بدأ يلوح في الأفق. الخوف لا يقتصر على ارتفاع الأسعار داخل الولايات المتحدة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، حيث يشكل احتمال اندلاع حرب تجارية شاملة تهديداً مباشراً لتدفقات التجارة والاستثمار. الخبراء، مثل مارك زاندي من Moody’s Analytics، حذروا من دخول الاقتصاد الأميركي في ركود بحلول سبتمبر إذا استمرت المواجهة. الردود الدولية جاءت سريعة، فقد أعلنت أوروبا نيتها الرد قبل نهاية أبريل، بينما حذر رئيس الوزراء البريطاني من أن “الحرب التجارية لا تصب في مصلحة أحد”.
أما ترامب، فهو يستند إلى قناعة راسخة بأن الرسوم الجمركية تمثل الحل السحري لعلاج العجز التجاري، وتحقيق ما يسميه بـ”النهضة الصناعية الأميركية”. يرى في نفسه وريثاً لمدرسة قومية اقتصادية تعيد تعريف العلاقات الدولية من منظور القوة والمصلحة المباشرة، بعيداً عن منطق التعاون متعدد الأطراف الذي أرسته المؤسسات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية. هذا النهج يتحدى القواعد التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية، ويعيد إلى الواجهة منطق “الأمة الاقتصادية المغلقة”، حيث تتحول التجارة إلى أداة من أدوات الهيمنة، لا إلى آلية متبادلة للنمو.
الواقع أن ما نشهده ليس مجرد قرار جمركي تقني أو دعاية انتخابية. بل هو تحول استراتيجي عميق يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية العالمية. فكما أن انهيار جدار برلين مثّل نهاية لحظة تاريخية، فإن إعلان ترامب قد يمثل لحظة قطيعة مع العولمة كما عرفناها: عالم تقوده سلاسل إنتاج متكاملة، اتفاقيات متعددة، وقواعد منظمة. في مكان ذلك، تبرز ملامح نظام عالمي جديد، أكثر تقطّعاً، تحكمه المعاملة بالمثل، الردع الاقتصادي، والتمحور حول القومية الاقتصادية.
يبقى أن نتابع تطورات هذا الزلزال الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة. هل سينجح ترامب في فرض أمر واقع جديد؟ أم أن ردود الأفعال الدولية، والأضرار الاقتصادية الداخلية، ستفرض عليه التراجع أو التفاوض؟ ما هو أكيد، هو أن ما يجري لا يخص الولايات المتحدة فقط، بل يعنينا جميعاً. فمصير العولمة على المحك، واحتمالات إعادة رسم قواعد التجارة الدولية أصبحت أكثر واقعية من أي وقت مضى.