الخميس 3 إبريل 2025
كتاب الرأي

يوسف عبد القاوي: حق الإضراب.. أبرز مستجدات القانون التنظيمي الجديد

يوسف عبد القاوي: حق الإضراب.. أبرز مستجدات القانون التنظيمي الجديد يوسف عبد القاوي
الإضراب أداة ووسيلة ضغط مشروعة لتحقيق مطالب اجتماعية، وقد جاء النص الجديد لتنظيم ممارسته محاولا التوفيق بين إكراهين متناقضين، من جهة ضمان حرية العمل النقابي، ومن جهة أخرى ضمان استمرارية الخدمات العامة الأساسية.
 
وتكمن أهمية إخراج قانون جديد لتنظيم ممارسة حق الإضراب بالأساس في تكريس حق العمال في التعبير عن مطالبهم بطريقة سلمية، ومنحهم شرعية قانونية في ممارسة هذا الحق، مما يوفر لهم الحماية من أي قمع أو ردود فعل غير قانونية، وفي تكريس حاجة المجتمع إلى استمرار الأنشطة الحيوية، بحيث يتوجب على الإضراب أن يمارس دون أن يؤثر سلبا على الخدمات الحيوية من صحة، وأمن، ونقل... فتنظيم ممارسة هذا الحق يهدف إلى إيجاد إطار قانوني يحفظ الحقوق ويحد من التأثيرات السلبية على المجتمع.
 
إن إخراج قانون تنظيمي يحدد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب يمكن أن يشجع على الحوار الاجتماعي بين العمال وأرباب العمل، كما أنه كفيل بتجنيب الاقتصاد الوطني الآثار السلبية.
 
ولا شك أيضا أن تنظيم حق الإضراب سيحقق توازنا بين حماية الحقوق الأساسية للعمال والمصلحة العامة للمجتمع، فمن خلال هذا التنظيم، يمكن ضمان استمرار الخدمات الحيوية، تحقيق العدالة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، مما يعزز البيئة القانونية المتوازنة والمستدامة للجميع.
 
إطار قانوني جديد ومرحلة جديدة للحوار الاجتماعي:
بعد سنوات من المفاوضات والمناقشات، تمت المصادقة أخيرا على القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، بعد أن راقبت المحكمة الدستورية مدى مطابقة مقتضياته للدستور بتاريخ 13 مارس 2025، وقد قدمته الحكومة كتدبير ضروري لملء الفراغ القانوني المستمر منذ اعتماد دستور 2011 وحتى ما سبقه من الدساتير.
 
ويؤكد القانون الجديد أن أي تنازل عن هذا الحق يعد باطلا وكأن لم يكن، كما يحظر أي شكل من أشكال القمع أو التمييز ضد المضربين، في إطار إضراب قانوني.
 
ويضع النص الجديد إطارا وقواعد واضحة لممارسة حق الإضراب، بعدما سعى إلى تحقيق توفيق وتوازن بين الحريات النقابية والاستمرارية الاقتصادية، وبينما أشادت الحكومة بالإصلاح "الهيكلي" و"المنتظر"، لا تزال بعض النقابات تنتقدن بعض القيود التي يرون أنها تحد من نطاق الحركة الاجتماعية.
 
وللإشارة فإن بعض التشريعات "ألمانيا نموذجا" فإنها تشترط لممارسة حق الإضراب أن يكون بعد الفشل في المفاوضات الجماعية أو خلال عملية التفاوض بين النقابات وأرباب العمل.
 
شروط صارمة لممارسة مقننة:
وفقا لمقتضيات القانون الجديد، لا يحق الدعوة للإضراب سوى للنقابات التمثيلية، أو في بعض الحالات لجان الإضراب المنتخبة، وقد تم تحديد آجال واضحة:
45 يوما للمطالب الاجتماعية.
30 يوما للنزاعات القضائية.
فورا في حالة خطر جسيم يهدد صحة أو سلامة العمال.
وأوجب القانون الجديد إخطار السلطات داحل أجل 5 إلى 7 أيام من بدء الإضراب، مع تفاصيل دقيقة حول الأسباب والأماكن والمواعيد، كما أوجب أن يتضمن الإشعار بالإضراب بيانات إلزامية من قبيل:
هوية الجهة الداعية للإضراب؛
السبب؛
الأماكن المعنية؛
التاريخ والوقت.
ومن خلال المقتضيات الجديدة فإنه يقع على عاتق النقابة عبء تنظيم المضربين وضمان، بالاتفاق مع المشغل، استمرارية الخدمات الأساسية (الصحة، السلامة، حفظ الممتلكات)، وفي حالة الخلاف، يفصل قاضي المستعجلات في الأمر قبل بدء الإضراب.
 
وتختص السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، بالتنسيق مع السلطات المعنية، باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتسهيل التوصل إلى اتفاق بشأن المطالب، وحل النزاعات، وتقييم وجود خطر محدق، ومدى امتثال المشغل للتشريعات المرتبطة بالشغل.
 
في حالات الكوارث الطبيعية أو الأزمات الوطنية التي تهدد النظام العام وحقوق المواطنين، يمكن لرئيس الحكومة، استثنائيًا، منع أو تعليق الإضراب لمدة محددة بقرار مسبب.
 
حماية وضمان استمرارية الخدمات الحيوية:
لعل من أبرز مستجدات القانون التنظيمي الجديد تعريف "الخدمات الحيوية" والمقصود بها الخدمات الأساسية التي لا غنى عنها لضمان استمرارية الحياة اليومية للمجتمع، والتي تتعلق مباشرة بالاحتياجات الأساسية للإنسان، مثل الصحة، الأمن، والتموين، فهي خدمات تعتبر أساسية لسلامة الأفراد والمجتمع ككل، وأي انقطاع أو تعطيل لهذه الخدمات قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على النظام العام أو على رفاهية المواطنين. ولهذا السبب، غالبا ما تكون بعض الفئات العاملة في هذه الخدمات مستثناة من الإضراب، حفاظا على سير العمل بها دون تعطيل في الظروف العادية أو أثناء الأزمات وتشمل:
 
المؤسسات الصحية؛
المحاكم بمختلف درجاتها والمهن القضائية والقانونية المرتبطة بها؛
خدمات بنك المغرب؛
وحدة معالجة المعلومات المالية؛
مصلحة النشر بالجريدة الرسمية؛
خدمات الأرصاد الجوية؛
خدمات النقل البري والبحري والجوي؛
مؤسسات الإعلام العمومي؛
قطاع الاتصالات؛
شركات تصنيع وتوزيع الأدوية والأكسجين الطبي؛
مراقبة الصحة عند الحدود والمطارات والموانئ؛
الخدمات البيطرية؛
خدمات الماء والكهرباء والطاقة؛
خدمات التطهير وجمع النفايات.
 
فبسبب أهمية هذه الخدمات، يتم استثناؤها من حق الإضراب، في العديد من التشريعات، وذلك لضمان عدم توقفها في الحالات التي قد تؤدي إلى تهديد حياة الأفراد أو النظام العام.
 
وعلى سبيل المثال فإن الإضرابات في القطاعات الحساسة بألمانيا مثل الخدمات العامة (الشرطة، الجيش، الرعاية الصحية) ليست شائعة، وإذا حدثت، فهي عادة ما تكون مقيدة وتخضع لضوابط قانونية صارم، كما أن الإضرابات في قطاع النقل العام تكون تحت إشراف القضاء ويتم التفاوض حول الحد الأدنى من الخدمات خلال الإضراب لضمان عدم تضرر المواطنين بشكل كبير.
 
المستثنون من ممارسة حق الإضراب؟
إن استثناء بعض الفئات من ممارسة حق الإضراب أمر له ما يفسره وما يبرره، فهو تدبير يضمن استقرار المجتمع وسير العمل في قطاعات حيوية وضرورية، هذه الاستثناءات تهدف إلى تحقيق توازن بين حقوق العمال في ممارسة الإضراب وبين المصلحة العامة التي قد تتعرض للخطر إذا تم السماح بالتحرك الجماعي في بعض الوظائف.
 
وقد استثنى القانون التنظيمي الجديد رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، عدة فئات من ممارسة حق الإضراب، منها:
موظفو إدارة الدفاع الوطني؛
موظفو وزارة الخارجية والداخلية؛
العسكريون وأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن؛
ضباط الشرطة القضائية؛
الموظفون المكلفون بحمل السلاح؛
العاملون في السلك الدبلوماسي والقنصلي؛
أي شخص يحظر عليه القانون الانتماء النقابي.
 
كما منع القانون الجديد للعاملين المكلفين بضمان الحد الأدنى من الخدمة أو استمرارية الأنشطة الأساسية من الإضراب خلال فترة تطبيق الإضراب.
 
التنصيص على عقوبات مشددة:
حظر القانون التنظيمي الجديد اتخاذ أي إجراء تمييزي ضد الأجراء بسبب ممارستهم حق الإضراب، بما يؤثر على مبدأ المساواة أو حقوقهم المهنية.
 
ولا يعتبر الإضراب القانوني مبررا لتوقيع عقوبات أو فصل العمال، وتشمل العقوبات:
غرامات من 1.200 إلى 100.000 درهم حسب نوع المخالفة؛
تضاعف الغرامة بعدد العمال المعنيين، بحد أقصى 200.000 درهم؛
لا يسجن في حالة عدم السداد؛
تتضاعف العقوبة في حالة العود خلال 4 سنوات.
 
دخول تدريجي لحيز التنفيذ:
يدخل القانون حيز التنفيذ بعد 6 أشهر من نشره بالجريدة الرسمية، لتمكين الأطراف المعنية من الاستئناس والاستعداد لتطبيق القواعد الجديدة، التي تهدف بشكل أساسي إلى تقليل التوترات الاجتماعية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتعزيز الحوار الاجتماعي.
 
ذ/ يوسف عبد القاوي محام، عضو مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء