لا يزال الخروج الإعلامي لنزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، يثير نقاشا واسعا، خاصة بعد تصريحاته الجريئة بشأن استفادة غير أخلاقية لبعض الوسطاء من دعم الدولة المخصص لخفض أسعار الأضاحي، وما ترتب على ذلك من ارتفاع غير مبرر في أرباحهم.
لم تكن هذه الخرجة مجرد موقف عابر، بل كشفت عن إشكاليات هيكلية في آليات السوق، والمضاربة الاقتصادية، وتأثير الوسطاء على القدرة الشرائية للمواطنين، مما أعاد إلى الواجهة هاجس الشفافية والمحاسبة في تدبير الملفات الاقتصادية.
جاءت تصريحات نزار بركة في سياق ارتفاع غير مبرر في أسعار اللحوم، وهو ما دفع الرأي العام إلى التساؤل حول دور الوسطاء في استغلال الظرفية الاقتصادية الصعبة لمراكمة أرباح غير مشروعة. وقد كشف الوزير عن رقم صادم، مفاده أن مستوردي الأبقار والأغنام حققوا أرباحًا تفوق 1300 مليار سنتيم، وهو ما يعكس حجم الخلل في منظومة تسعير المواد الغذائية الأساسية. وتدعو هذه المعطيات إلى إعادة النظر في آليات ضبط السوق، من أجل تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وحماية المواطنين من جشع المضاربين.
وفي خطوة غير مسبوقة، دعا نزار بركة إلى وضع ميثاق أخلاقي في المجال الاقتصادي، مستوحى من التجربة السياسية، بهدف إرساء مبادئ الشفافية والمساءلة داخل المنظومة الاقتصادية.
هذه المبادرة فتحت باب التساؤلات حول مدى إمكانية تفعيل مثل هذا الميثاق في ظل واقع السوق الحرة، حيث تتحكم المضاربة والاحتكار في الأسعار أكثر من القوانين المنظمة. فهل ستحظى هذه الدعوة بدعم سياسي ومؤسساتي، أم أنها ستظل مجرد شعار دون تطبيق فعلي؟
لم تمر تصريحات نزار بركة دون إثارة الجدل، خاصة أنه يمثل أحد مكونات الأغلبية الحكومية، مما جعل البعض يعتبر أن انتقاده لطريقة تدبير هذا الملف كان ينبغي أن يتم داخل آليات التنسيق الحكومي بدلًا من وسائل الإعلام. في المقابل، يرى آخرون أن هذه الخرجة الإعلامية تحمل أبعادا سياسية وانتخابية، خاصة مع طموح حزب الاستقلال إلى لعب دور محوري في قيادة الحكومة المقبلة. هذا ما يفسر حرص بركة على تقديم خطاب صريح يتماهى مع نبض الشارع، ويعزز موقعه السياسي داخل المشهد الوطني.
الأمر اللافت أن الوزير تناول ملفا اقتصاديا واجتماعيا بخطاب اعتمد فيها الشفافية والوضوح، كان يفترض أن يكون في صلب اهتمامات المعارضة، وخاصة القوى اليسارية، التي جعلت من محاربة التفاوت الاجتماعي وحماية الفئات الهشة جزءًا من هويتها السياسية... لكن بدل أن يأتي هذا الخطاب من المعارضة، جاء من داخل الأغلبية الحكومية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المعارضة على تأطير النقاشات الكبرى المتعلقة بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية.
هذا الخروج الإعلامي يعكس أيضًا إستراتيجية حزب الاستقلال لإعادة التموقع داخل المشهد السياسي، فالحزب يسعى إلى تعزيز دوره كقوة سياسية واقتراحية ومدافع عن القضايا الاجتماعية. ويرتكز في ذلك على قاعدة تنظيمية قوية، مدعومة بنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، إحدى اقوى المركزيات النقابية والتي نجحت في تكوين فريق برلماني نشيط داخل مجلس المستشارين، مما يعزز طموح الحزب للعب أدوار أكبر في المرحلة المقبلة. وهو طموح سياسي مشروع.
ورغم أهمية ما طرحه نزار بركة، إلا أن تفاعل المجتمع المدني مع هذه القضية ظل محدودًا، مع العلم أن الأمر يتعلق بإحدى أخطر الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية. فبدلًا من دعم خطاب الوزير والمطالبة بإجراءات ملموسة لمحاربة المضاربة والاحتكار والريع الاقتصادي، ظل العديد من الفاعلين المدنيين بمنأى عن هذا النقاش، مما يطرح تساؤلات حول قدرة المجتمع المدني على التأثير الفعلي في القضايا الاقتصادية الكبرى.
لا شك أن خروج نزار بركة الإعلامي شكل في الحقيقة سابقة في الخطاب الحكومي، حيث سلط الضوء على إحدى الإشكالات الجوهرية المتعلقة بمنظومة السوق، والمضاربة، واستغلال الدعم الحكومي لتحقيق أرباح غير مشروعة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل سيتحول هذا التصريح إلى إجراءات فعلية لمحاسبة المتورطين وضبط الأسعار، أم سيظل مجرد خطاب سياسي في سياق التهيئ للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟ وهل ستتجاوب باقي مكونات الأغلبية والمعارضة مع دعوة بركة لوضع "ميثاق أخلاقي اقتصادي"، أم أن حسابات المصالح ستجهض أي محاولة إصلاحية؟ وأين المجتمع المدني من هذا النقاش؟ وهل سيواصل حالة الترقب السلبي، أم سيتحرك لدعم خطوات عملية تضمن حماية المستهلك المغربي من المضاربة والاحتكار؟
صحيح، ان الجميع يقر بجرأة خطاب نزار بركة، خطاب يسائل الجميع، لكن لن تكون له أي قيمة إذا لم يترجم إلى إجراءات ملموسة. فهل ستتحرك الحكومة فعلياً لضبط الأسواق ومحاسبة المتلاعبين؟ أم أن الأمر سيقتصر على تصريحات إعلامية تهدف إلى امتصاص غضب المواطنين الذين استهدفت قدرتهم الشرائية ولم تعد تساير الوضع القائم في ظل الارتفاع الصاروخي للأسعار؟
لا شك أن كشف الحقائق خطوة إيجابية، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تتبع بإجراءات حاسمة. المغرب يحتاج إلى سياسات اقتصادية شفافة، وإلى معارضة فاعلة، وإلى مجتمع مدني يقظ.
كل هذه التساؤلات ستظل مفتوحة، في انتظار ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات ملموسة، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة.