الخميس 3 إبريل 2025
خارج الحدود

هل تستطيع أوروبا وأوكرانيا المضي قدمًا دون واشنطن؟

هل تستطيع أوروبا وأوكرانيا المضي قدمًا دون واشنطن؟ أوروبا أوكرانيا بدون واشنطن
عندما دخل فلوديمير زيلينسكي البيت الأبيض للقاء دونالد ترامب، كانت الأنظار مسلطة ليس فقط على تفاصيل الاجتماع، ولكن أيضًا على تداعياته العميقة. لم يكن هذا لقاءً دبلوماسيًا عاديًا، بل مواجهة ضمن صراع جيوسياسي أكثر تعقيدًا. السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه: هل جاء زيلينسكي إلى واشنطن وهو يحمل خطة متكاملة لإفشال أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وروسيا، وبالتالي تقويض قدرة ترامب على التحكم بمسار الحرب الأوكرانية؟

الأحداث التي أعقبت انهيار الاجتماع بين ترامب وزيلينسكي تعزز هذا الطرح، فقد شهد اليوم نفسه الذي فشل فيه الاجتماع إعلان بريطانيا عن توقيع قرض مالي ضخم لأوكرانيا، وهو ما يوحي بأن لندن كانت قد استعدت مسبقًا لهذه اللحظة. بعد ذلك بيومين فقط، اجتمع القادة الأوروبيون في إنجلترا في لقاء طارئ ضم إلى جانب زيلينسكي، الرئيس التركي أردوغان ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، وتم الاتفاق على أن أي اتفاق سلام مستقبلي يجب أن يتم وفقًا لشروط أوكرانيا، وليس بشروط روسيا. هذه النقلة الاستراتيجية تعني عمليًا إجهاض أي مفاوضات أميركية-روسية كان ترامب يسعى إليها، وتحويل مركز اتخاذ القرار من واشنطن إلى العواصم الأوروبية.

هناك عدة عوامل تفسر كيف نجح زيلينسكي في إعادة توجيه ميزان القوة لصالحه. أولًا، ترامب لم يعد يملك النفوذ الكامل في إدارة النزاع، فقد وجد نفسه في موقف داخلي وخارجي ضعيف، حيث تتزايد الضغوط السياسية ضده داخل الولايات المتحدة، بينما تسعى أوروبا إلى تحقيق استقلالها الاستراتيجي عن السياسة الأميركية في هذا الملف. ثانيًا، التحرك البريطاني السريع من خلال تقديم الدعم المالي لكييف في نفس يوم انهيار الاجتماع مع ترامب ليس مجرد صدفة، بل هو خطوة استباقية لضمان بقاء أوكرانيا في موقع تفاوضي قوي، حتى لو تراجعت واشنطن عن دعمها. ثالثًا، تأكيد القادة الأوروبيين أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تستند إلى المطالب الأوكرانية وليس الروسية يمثل تحولًا تاريخيًا، حيث اعتادت أوروبا في السابق على اتباع استراتيجية تقوم على توازن النفوذ بين واشنطن وموسكو، ولكن هذه المرة تم إخراج الولايات المتحدة من المعادلة نهائيًا.

يبقى السؤال الكبير: هل يمكن لأوروبا وأوكرانيا الاستمرار في هذا المسار دون دعم الولايات المتحدة؟ السيناريو الأول المحتمل هو أن تقرر واشنطن تعليق مساعداتها لكييف كرد فعل على التحرك الأوروبي، مما قد يدفع روسيا إلى تصعيد هجومها العسكري مستغلة الفجوة الاستراتيجية التي قد تنشأ نتيجة غياب الدعم الأميركي. هذا السيناريو قد يورط الدول الأوروبية في مواجهة مباشرة مع موسكو، وهو تطور قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، خاصة إذا اضطرت دول الناتو إلى التدخل المباشر في الصراع. السيناريو الثاني يتمثل في أن تبدأ كييف وموسكو مفاوضات مباشرة بوساطة أوروبية، لكن دون إشراك الولايات المتحدة. في هذه الحالة، قد تسعى الصين إلى الدخول على الخط كمفاوض رئيسي، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم ملامح النظام الجيوسياسي العالمي. دخول بكين على خط الأزمة قد يعني إزاحة واشنطن من موقعها التقليدي كحكم رئيسي في النزاعات الدولية، وفتح المجال أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب يكون لأوروبا والصين دور محوري فيه.

التداعيات الاستراتيجية لهذه التحولات لا تقتصر على الحرب الأوكرانية وحدها، بل تمتد إلى توازن القوى العالمي بشكل أوسع. إذا استمر هذا المسار، فإن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة إلى تبني سياسات دفاعية وعسكرية أكثر استقلالية عن واشنطن، بينما ستستغل روسيا هذه الفجوة لمحاولة استعادة زمام المبادرة. في الوقت نفسه، فإن الصين، التي تسعى إلى تعزيز نفوذها على الساحة الدولية، قد تستغل هذا الانقسام بين أوروبا وأميركا لتقديم نفسها كقوة وسيطة يمكنها تحقيق توازن جديد بين روسيا وأوكرانيا.

ما حدث في قمة إنجلترا في 2 مارس 2025 قد يكون نقطة تحول تاريخية، ليس فقط في الصراع الأوكراني، ولكن في النظام العالمي ككل. فإذا نجحت أوروبا في فرض مقاربتها الجديدة دون الحاجة إلى المظلة الأميركية، فقد نشهد نهاية مرحلة الهيمنة الأميركية المطلقة على السياسة الدولية. ولكن إذا فشلت هذه المحاولة، فإن العالم قد يدخل في مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تصبح الحرب الأوكرانية مجرد بداية لسلسلة من الأزمات التي قد تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق.