تعمدت التقاط هاته الصورة من وسط مدينة أمستردام، لأنها المفتاح الذي يسمح للمرء بأن يستوعب تمثل الهولنديين للفضاء الحضري ونظرتهم للمدينة، وللأولويات المسطرة من طرف صناع القرار وواضعي مخططات تهيئة المدن.
الصورة أخذت بباركينغ باطني يوجد تحت ساحة البورصة بشارع Darmak وسط أمستردام، بنته البلدية خصيصا لركن الدراجات الهوائية. وهو موقف من مستويين، يستوعب 1700 مكان للدراجات بشكل مجاني طوال 24 ساعة، وإن تجاوز المرء هاته المدة يسدد رسما يعادل 15 درهما.
على بعد 800 تقريبا من هاته الساحة، يوجد باركينغ باطني مجاني آخر ( تحت سطح الماء ب 9 أمتار)، افتتحته بلدية أمستردام قرب محطة القطار المركزية في فبراير 2023، ذو طاقة كبيرة جدا، بحكم أنه يستوعب 7000 دراجة هوائية. فضلا عن ذلك هناك مخطط يروم خلق باركينغات إضافية بجوار محطة القطار في أفق 2030، بطاقة استيعابية قدرها 22 ألف دراجة لتسهيل ولوج الناس لاستعمال القطار والترامواي أو الميترو.
ففي أمستردام ليست هناك وسيلة نقل تعلو على الدراجة الهوائية. فالإحصاءات تشير إلى وجود 900 ألف دراجة، أي تقريبا دراجة هوائية لكل مواطن. ونظرا لهذا العدد الهائل، هيأت البلدية مواقف للدراجات الهوائية في حدود 220 ألف مكان على امتداد مساحة المدينة البالغة 22.000 هكتار، أي هناك 10 مواقف للدراجات في كل هكتار واحد، وهي نسبة لاتوجد في أي مدينة في العالم.
اعتناق الهولنديين "لديانة الدراجة الهوائية"، لم يأت من فراغ، بل هو تراكم لمجموعة من العوامل التي جعلت هولندا تتربع البوديوم العالمي في استعمال الدراجة الهوائية من طرف سكانها، أيا كان مستواهم الاجتماعي: وزيرا أول أو باطرون شركة كبيرة أو نادل مقهى أو حلاق أو عمدة مدينة أو صيدلي أو قاضي أو طبيب جراح أو تلميذ أو مستخدما بمقاولة أو عامل نظافة.
فبعد اختراع الدراجة الهوائية في أواخر القرن 19، تم خلق "الجمعية العامة الهولندية للدراجات" (ANWB) عام 1883. وعلى خلاف فرنسا التي انشغلت فيها جمعية (UVF) المحدثة سنة 1881 بتجميع نوادي الدراجات الهوائية بمختلف المدن لتنظيم السباقات، وما تلا ذلك من كونها أفلحت في خلق "طواف فرنسا للدراجات" عام 1903، فإن الجمعية الهولندية (ANWB)، وضعت على رأس أولوياتها، نشر ثقافة الدراجة الهوائية في المجتمع الهولندي كوسيلةللتنقل. وساعد الجمعية في ذلك طوبوغرافية المدن الهولندية التي تتميز بالانبساط واستواء شوارعها وتكدس السكان والمرافق التجارية والخدماتية والصناعية في فضاء حضري غير ممطط.
لما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، اتخذت هولندا الحياد، مما عرضها لحصار من طرف الألمان والبريطانيين ومنعت سفن الوقود من الولوج إلى موانئ هولندا، مما زاد من شعبية الدراجة الهوائية. بل إن هذا الحصار دفع هولندا إلى صرف النظر عن استيراد الدراجات الهوائية، وبدأت في تشجيع اختراع مكونات الدراجة وتصنيعها محليا عبر علامة BATVUS.
تجذر الثقافة الحضرية وقدم نمط العيش الحضري بهولندا ( في سنة 1650، كان أكثر من ثلثي الهولنديين يسكنون بالمدن)، خلق لدى الهولنديين تمثلا خاصا للفضاء العام، واحترام تقاسم الشارع والزنقة والساحة العمومية بين كل المستعملين، مما ساعد المخططين والمهندسين على تهيئة أفضل لممرات خاصة للدراجات الهوائية بالمدن. لدرجة أنه في عام 1938، كانت مدن هولندا تضم 2675 كيلومترا من هاته الممرات (Pistes Cyclables).
في سنة 1973، وبعد الصدمة النفطية الناتجة عن حرب أكتوبر، ازداد الوعي في هولندا بوجاهة اختيار الدراجة الهوائية كوسيلة فضلى في التنقل الحضري. وتم خلق جمعية أخرى تسمى (ENWB)، وتعني باللغة العربية "الجمعية الهولندية الوحيدة للدراجات العادية"، التي خلقت على أنقاض الجمعية الأولى( ANWB)، التي اتهمت بتواطؤ مسيريها مع لوبي صناعة السيارات.
في 1990، أصدرت هولندا "المخطط الوطني للدراجة" ( PLAN NATIONAL VELO).وكان ذلك إيذانا بترسيم صورة خاصة بهولندا كبلد عاشق ومتيم بالدراجة الهوائية، وأضحت هاته الأخيرة حاضرة في كل وثائق التعمير وتصاميم التهئية الحضرية بكل المدن والبلديات الهولندية، بل وأصبحت الدراجة الهوائية "الدين" الذي يوحد 190 جنسية تعيش في هولندا.
في سنة 1995، سن المشرع الهولندي قانونا ينص على وجوب تعويض المستخدمين والموظفين الذين يستعملون الدراجة الهوائية في تنقلاتهم للعمل، عبر خلق نظام تحفيزي يحتسب عدد الكيلومترات المقطوعة من طرف المستخدم أوالموظف على متن دراجته، وفي نهاية الشهر يحصل على منحة.
في سنة 1998، مرت هولندا إلى السرعة القصوى عبر إبداع مفهوم "أوطوروت الدراجات الهوائية"، بل ومولت مقطعا بطول 7 كيلومترات بين بلدتي Breda و Etten-Leur. وبعد نجاح التجربة خصصت الحكومة عام 2009 غلافا قدره 25 مليون أورو، لتمويل إنجاز ممرات سريعة خاصة بالدراجات الهوائية بعدد من المدن الهولندية.
ولتتويج هذا المجهود وتتويج هاته السياسة العمومية الخاصة بالدراجات الهوائية، تم عام 2011، إحداث لوبي هولندي تحت اسم "Dutch Cycling Embassy"، وهي شبكة تضم مهندسين ومصنعين وخبراء في التخطيط الحضري وسياسيين وجمعيات مهتمة، هدفها تسويق صورة هولندا كرائدة التنقل المستدام، وكقوة ناعمة للظفر بصفقات تهئية وإنجاز مخططات حضرية بباقي مدن دول العالم.