الأربعاء 24 إبريل 2024
في الصميم

إسوة بالفيتنام ورواندا.. علينا وأد عملاء فرنسا بالمغرب!

إسوة بالفيتنام ورواندا.. علينا وأد عملاء فرنسا بالمغرب! عبد الرحيم أريري
رغم أن فرنسا (دولتها العميقة تحديدا)، هي المفتي والمحرك لمعظم المناورات والدسائس ضد المغرب، سواء بالبرلمان الأوربي أو بوسائل الإعلام والمنظمات الدائرة في فلكها، فإن اللوم لا يلقى على فرنسا وعلى رئيسها وعلى مخابراتها وعلى شركاتها الكبرى مادام هؤلاء يدافعون عن مصالح بلدهم، بقدر ما يلقى اللوم على مسؤولي المغرب وعلى حكومة المغرب وعلى برلمان المغرب وعلى أحزاب المغرب، الذين لا تهمهم مصلحة المغرب ولا أمنه القومي. بل بالعكس نجد ساسة المغرب يدللون فرنسا ويتملقون لها ويبسطون لها السجاد الأحمر للتحكم أكثر في رأسمال المغرب المادي واللامادي. ويتجلى ذلك في منح اللغة الفرنسية الأسبقية والأفضلية في التعامل الرسمي والتشريعي والبنكي والإداري والإعلامي بالمغرب ومنح الصفقات العمومية لمكاتب الدراسات وللشركات الفرنسية، وكأن المغرب "محفظ" باسم فرنسا!.
 
وكلما نهضت أصوات داخل المغرب مطالبة بالقطع مع استعمار اللغة الفرنسية واحتلالها الفضاء العام المغربي (تشريعا وتجارة وتعليما وإعلاما)، إلا ويقدم المسؤولون مبررات واهية من قبيل: تعقد الوضعية، واستحالة تعايش المغاربة مع فضاءات لغوية أخرى، والخوف من اضطراب الأسواق المالية والبنكية والتجارية، وما شاكل ذلك من التبريرات غير المسنودة.
 
ولنا في نموذج الفيتنام بآسيا ورواندا بإفريقيا، خير مثال على إمكانية تحرر بلد ما من "الاستعمار اللغوي" دون أن يحدث ارتجاج في مخ البلد المعني: تعليميا أو إداريا أو اقتصاديا أو في مجال التعاون الدولي. بل بالعكس كلما تحررت دولة من "الاستعمار اللغوي الفرنسي" وأدمجت اللغة الإنجليزية في مناهجها التعليمية إلا وأصبح طلابها "أكثر تنافسية" في العالم وأضحت الدولة المعنية أكثر رفاهية واستفادة من "نعيم" الاقتصاد الدولي.
 
هاهي الفيتنام التي قطعت "بزولة فرنسا" فور دحر الثوار الفيتناميين للجيش الفرنسي، تجني ثمار قرار "فتنمة" الحياة الإدارية والتعليمة والتجارية واعتماد الإنجليزية كلغة ثانية، إذ ارتفع ناتجها الداخلي الخام وتوسعت فرص اندماج اقتصادها عالميا، فضلا عن انتشار طلابها في معاهد وكليات العالم الأنجلوسكسوني، وهو وضع ما كان من اليسير بلوغه لو ظل ساسة الفيتنام "يعبدون" اللغة الفرنسية ويفرضونها قسرا على أبناء بلدهم.
 
ادرسوا تجربة رواندا، التي تعد مثالا بارزا يدحض ما يروجه عملاء فرنسا بالمغرب، من صعوبة التخلي عن اللغة الفرنسية في التعليم والأبناك والإدارة والإعلام. إذ بسبب الماضي الأسود لفرنسا في حرب الإبادة مطلع تسعينيات القرن العشرين (تسببت جرائم فرنسا في إبادة 800.000 رواندي)، ولمحو العار الفرنسي الذي عمق جراح الروانديين، قرر ساسة رواندا في أكتوبر 2008 التخلي عن الفرنسية كلغة أجنبية في التعليم وكلغة معاملة إداريا واقتصاديا، وتعويضها باللغة الإنجليزية. وقام مسؤولو رواندا بتنفيذ تعهداتهم بسرعة في عام 2010، رغم ما شاب البدايات الأولى في إدراج الإنجليزية في التعليم من تعثرات واختلالات ( غياب مقررات دراسية ملائمة باللغة الإنجليزية بشكل جعل وزارة التعليم برواندا تستعين بمقررات أوغندا في البداية، قلة الأطر آنذاك، صعوبة التأقلم بالنسبة لتلاميذ الثانوي الذين لهم تكوين بالفرنسي،إلخ....). لكن بفضل إرادة حكام رواندا وإصرارهم على ربح الرهان، تم تخطي كل هذه الصعاب. وهاهي روندا الآن تحصد ثمار قرارها التاريخي بالقطع مع "الاستعمار اللغوي الفرنسي"، وهي ثمار يلاحظها المراقب بكل يسر: تعليم جيد في رواندا الآن مقارنة مع الماضي، نمو اقتصادي لافت بسبب تدفق الاستثمارات وجاذبية خريجيها الذين يتقنون الإنجليزية، اندماج ناجح لرواندا في محيطها الإفريقي الأنجلوفوني وتنامي معاملاتها مع الفضاء الأنجلوسكسوني الدولي، تحرر رواندا من عجرفة وغطرسة حكام فرنسا.
فما الذي يحول دون المغرب ليحذو نهج هاته الدول و"يقطع بزولة فرنسا" من المدرسة والإدارة والراديو والتلفزة والأبناك. فما دام المغرب اختار الانفتاح على العالم فليدخل للعالم من أبوابه الواسعة بتعليم أبنائه اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية أولى من المرحلة الابتدائية، بدل إبقاء المغرب والمغاربة تحت "سباط الدولة العميقة بفرنسا"؟!.
 
إن رفض هذا المطلب لا يعني سوى شيئا واحدا : ألا وهو أن المسؤولين بالمغرب يتلذذون بتقمص دور "عشيقة فرنسا" !