الأربعاء 29 يونيو 2022
منبر أنفاس

عبد القادر رجاء:التواصل السياسي والإداري عند الجماعات الترابية. جماعة أيير بأسفي نموذجا

 
عبد القادر رجاء:التواصل السياسي والإداري  عند الجماعات الترابية. جماعة أيير  بأسفي نموذجا عبد القادر رجاء وجماعة أيير

ترتبط لفظة "التواصل" بمختلف عمليات تبادل الكلام والحديث المباشر وغير المباشر التي تجمع بين فردين أو ـكثر. ويعد التواصل حاجة انسانية ازلية تفرضها الاحتياجات والتفاعلات البشرية عامة.

اتخذ التواصل عبر التاريخ اشكالا متعددة له شملت التواصل عبر الكتابة والنقوش ورسائل الحمام الزاجل والبريد العادي، الى ان وصلت لأشكال جديدة كانت من نتائج التطور التكنولوجي والرقمي؛ فأصبحنا بذاك نتكلم عن البريد الرقمي والتواصل الالكتروني الاني، والتواصل الاجتماعي المفتوح من خلال منصات اصبحت تعج بتعبيرات اجتماعية تنزل على صيغ متعددة، وتحقق تواصلا وتفاعلا على مستويات وبقراءات تختلف باختلاف درجات التلقي.

1-التواصل بين الحتمية والأهمية

يحتل التواصل السياسي مكانه بين هذه الطرق التواصلية، ويتمظهر بشكله الطبيعي العادي المباشر بين ممارس السياسة والجمهور، او بين حامل خطاب السياسة ومستقبلي هذا الخطاب.

ومن جهة اخرى؛ فالتواصل من خلال الخطاب السياسي أصبح متاحا على المستوى الاعلامي والافتراضي؛ وشمله هو بدورة التغيير كما شمل مختلف اشكال التواصل الروتينية، التي تغيرت في شكلياتها بفضل الاعتبارات التكنولوجية والرقمية التي أشرنا لها آنفا.

كما أن التواصل أمسى مفصليا وحتميا في مجالات الاشتغال على الشأن المحلي من داخل مختلف اليات تدبيره؛ وهنا نقصد بالأساس المجالس المنتخبة على المستويات المحلية والاقليمية والجهوية، التي نختارها عبر مختلف عمليات الاقتراع لتمثيل المواطنين، والعمل على التنمية والسياسات العمومية التي تخصها حسب برامج عمل محددة واحتياجات اجتماعية مدروسة. وحتى هذه المجالس، المشكلة من اطياف سياسية وحزبية مختلفة، تنتج خطابا تواصليا معينا تمليه ظرفية اشتغالها ضمن سياقاته السياسية والادارية التي تحتويه. وهذا المحتوى التواصلي والخطابي من المفروض فيه ان يكون ساعيا الى تحقيق غاياته؛ خاصة ان المسالة التواصلية تجمع بين ممثل او منتخب والذين نمارس من اجلهم المهمة التمثيلية والانتخابية.

ولكونه كذلك؛ فان التخطيط للعمليات التواصلية يجب ان يأخذ بعين الاعتبار، ويدمج ضمن برامج عمل ويستفاد منه في تجويد العمل على اسئلة الشأن المحلي وتقييمها مرحليا وتعديل برامجها، استنادا للمقتضيات التشريعية ذات الصلة بتحيين برنامج عمل المجالس الترابية. وهذا الجانب يحيلنا على الأدوار التي يمكن ان يلعبها التواصل والتشاور في تخطيط وبناء وتجديد العملية التنموية برمتها.

ومن بين التجليات التي تظهر فيها خطط التواصل السياسي والاداري، هي دورات المجالس المنتخبة، باعتبارها مواعيد سياسية وادارية مهمة للتلاقي والتواصل والعمل المشترك بين اعضاء هذه المجالس نفسها، وبينهم وبين شرائح عن المواطنين والمواطنات الذين تمارس هذه المجالس في اوساطهم فعلا تنمويا وتدبر عبر برامج شأنهم العام. وتحت هذه الزاوية، فالتواصل يتم بشكله الافقي بين فاعلي التنمية؛ يعني الاعضاء أنفسهم وبشكل عمودي بين المنتخبين والمواطنين كأهداف لمشاريع التنمية والعمل عليها لتغيير معيش وحياة هؤلاء المواطنين.

2- جماعة ايير، قراءات في التواصل السياسي والاداري

الحديث عن جماعة ايير هو حديث عن جماعة ترابية ضمن جماعات اقليم اسفي، وهي توجد شمال مدينة اسفي على الساحل والداخل، والمنطقة يتجاوز تعداد ساكنتها 24 000 نسمة تجتمع في شكل دواوير. كما تحتوي الجماعة على مركز اداري يحمل اسم العكارطة، يبقى قبلة كل الاييرين وغيرهم، ومركز اخر يحمل اسم قصبة ايير تم توسيعه واحداثه في إطار مشاريع الجماعة، مع فتحه على المحطة الشاطئية الاييرية سيدي كرام الضيف. ورغم ذلك فالمركز الاداري ناقص التأهيل والتجهيز والخدمات، والجماعة تبقى في طابعها قروية لغياب الخدمات والبنيات المرتبطة بالمجالات الحضرية والمعروفة بها لدوى العوام. وبالنسبة للانشطة المعيشية الممارسة بالجماعة فهي في غالبيتها مرتبطة بالفلاحة والصيد التقليدي، مع وجود انشطة اخرى كالتجارة والحرف اليدوية والتقليدية وتربية المواشي، رغم تراجعها في بعض المجالات التي عرفت امتدادات عمرانية لصالح انشطة اخرى.

إن اجراء مسح نظري برؤية على قاعة الاجتماعات التابعة للجماعة الترابية ايير يكشف ان هندستها وتنظيمها يقفان امام تحقيق تواصل افقي وعمودي؛ ذلك ان بها منصة وليست مهيأة بشكل يفسح المجال لحضور مواطنين؛ اذ ان اغلب المتتبعين وعلى قلتهم تبقى واقفة او جالسة بدرج بالقاعة، وهذا يظهر جليا خلال تغطيات اعلامية سابقة وقديمة تعكس توثر الحاضرين ومشاركتهم في صخب اجتماعات القاعة والمشادات. فحتى تهيئة الفضاء عموما وهندسته يلعبان دورا مهما، ويسهمان في تحقيق التواصل المرجو بالتأثيث المثمر والجدوى المنتجة. كما ان دورات المجلس في غالبيتها تسير من منصة تعلو مستوى كراسي الاعضاء أنفسهم، وهي بالتالي تعيق حتى التواصل الافقي بين اعضاء المجلس رئاسة ومكتبا ومعارضة ان وجدت شكلا ومعنى وتجسيدا.

كما تشكل طبيعة القاعة عائقا كذلك امام الحضور، خاصة ان ولوجها يتم من باب يفتح مباشرة في منتصف مائدة الحوار والتداول، وقد يشكل التحاق فرد من الافراد اعاقة جديدة لسير الجلسة، أمر تضاف الى مختلف تجليات المعيقات التواصلية التي نعرض لها عبر هذه الورقة.

وهذا يعكس بشكل جلي ان قاعة التداول في القضايا التنموية المحلية، والتخطيط لهذه الاخيرة في حاجة الى رؤية تخرجها من نسقها البارد، الذي يضاف الى عوامل اخرى منها غياب مكبرات صوت وفقر القاعة على مستوى الصور الرسمية والرمزية للملك والمملكة وغياب اسماء الحاضرين وصفاتهم من امامهم. هذا دون الحديث عن غياب وسائل ايضاح كعاكسات وشاشة تفاعلية أو ماشابه. وبتتبعنا لعدد كبير من دورات الجماعة لقرابة عقد ونصف، نقول ان الاوراق هي التي تتوفر لوحدها فوق طاولة الحوار ونادرا ما تتم اضافة عوامل اخرى فاعلة.

 

ما أصبحنا نشاهده في قاعة الاجتماعات، خاصة مع الدخول السياسي الحالي ما هو الا تراشق بالكلام وتبادل اتهامات، ووقوف هنا وهناك ونقاش على وضعية وقوف، وتحرك بعيد عن اي ارتباط لا بوثيقة ولا بمكروفون ولا باي ارضية، وهذا يزيد من تكريس التنصل من المكان وتجريده من كل معاني الثبات والاستقرار لنقاش هادئ حول التنمية المحلية بوجود اعضاء يحملون عن بعضهم وبينهم كل اشكال التنافر.

وحتى وضعية تواجد رئاسة الجماعة والسلطة المحلية وإدارة الجماعة في منصة اعلى، يعمق سؤال العلاقة الدائرية التي يجب ان تجمع اعضاء المجلس، وتعطي الفرصة أكثر للعبة قد نسميها مجازا" القصف من تحت" وفي اتجاه واحد وهذا قد يمارسه حتى متتبعو الجلسة كما وقع في دورة فبراير 2021. ولهذا فدورات المجلس اصبحت تعطي انطباعا عن كونها مقابلة كرة قدم برابح وخاسر، وهذا لم يكن يوما المبتغى من اي عملية تمثيلية تنبثق عنها عمليات تواصلية.

والحديث عن التواصل في ارتباطه بالفضاء يقودنا لإثارة موضوع المرتفقين؛ ذلك ان التواصل الاداري تعيقه وضعيات ونقائص اخرى مرتبطة بغياب مجال انتظار مؤهل ومصلحة تواصل وتوجيه؛ حيث ان الملاحظ ان المرتفق يلج الجماعة واقفا، وينتظر في غالب الاحيان واقفا ويقضي غرضه في وضعية وقوف لغياب فضاء انتظار وكراسي كافية وذات جودة للجلوس بالمصلحة المراد ارتيادها. وبهذا نجد تجمهرا غير مفهوم بباب الجماعة ويشمل هذا التجمهر مرتفقين.

ووجب القول ان مجال الانتظار والتأطير والتوجيه من العمليات التي تكتسي طابعا بالغ الاهمية في تحقيق العملية التواصلية والادارية؛ جانب يضاف اليه غياب سبورة اعلانات متقدمة او شاشة تفاعلية موجهة ومكرسة للحق في التأطير والمعلومة. وبهذه الطريقة فالتواصل السياسي الذي يعاني من اضطرابات بين اعضاء المجلس يرخي بظلاله أيضا على التواصل الاداري؛ وقد يشكل في جانب منه امتدادا له وقد يدفع بالإداري الى عدم تجسيد دور الحياد اللازم وركوب موجة السياسي.

ويبقى من الاشكالات ايضا التباعد الحاصل بين الاعضاء، وغياب ارضيات اخرى للتلاقي كلقاءات تواصلية، وعمل من داخل اللجان ومواعيد تواصلية لفائدة المواطنين بخصوص ملفات تنموية محددة، وقلة اللقاءات التي تجمع المجلس بنفسه على مدة متقاربة تكسر جفاء التنافر، وتباعد الدورات واللقاء وتجعله ينصهر وسط مختلف اطيافه، وتدفعه لتجريب امكانيات تواصلية غزيرة تفتحه بشكل كبير على ذاته، وكذا على مختلف الفرقاء المدنيين ومؤسسات وممثلي الداخلية على المستوى الاقليمي وغيره.

أما بالنسبة لحضور الجماعة افتراضيا، فهي لا تتوفر لا على موقع ولا على صفحة رسمية على وسائل التواصل الاجتماعي؛ الشيء الذي يخلق نوعا من تفرق الخطاب وجهته وينتج طرقا من الفراغ التواصلي يكون سببا في ردود كثيرة غير مموقعة بالمقارنة مع قضايا التنمية، ولا تبني على معطيات. ومن جهة التغطيات الاعلامية التي تشمل دورات المجلس، فبصرف النظر عن تقديمها للواقع الذي تتحكم فيه صراعات ومطامع وتغيب فيه مصلحة المواطن والمنطقة، فهي لا تفيد التنمية في شيء، وهي روتين متكرر وتقاذف متعدد للخطاب والمسؤولية، ولا يربح عبره المجلس واعضاؤه ولا المنطقة شيئا غير تكريس منطق الازمة والصراع واستدامتهما.

كلمة أخيرة:

إن الأهمية التي يحتلها التواصل في مختلف مناحي حياتنا العامة، وايجابيات الاستثمار فيه كثقافات لتجويد وجودنا الاجتماعي وممارستنا لمهمات المسؤولية من داخل مؤسسات منها تلك المنتخبة، تفرض الوقوف على هذا الجانب لإيلائه المكانة التي يستحقها، وتوظيفه التوظيف السليم والعمل عليه لتحقيق المنتظر منه ومنا في اطار من خلق التفاؤل حول الايجابي الذي يجمعنا؛ وتذليل المعيقات التي تعكر صفوتنا وتبعدنا عن خدمة الصالح العام على الوجه الأكمل.