الجمعة 27 مايو 2022
سياسة

"نادني ياملكي".. حين انتصرنا على جنرالات الجزائر فنيا وعسكريا في حرب الرمال (مع فيديو)

"نادني ياملكي".. حين انتصرنا على جنرالات الجزائر فنيا وعسكريا في حرب الرمال (مع فيديو) الملك الراحل الحسن الثاني وإسماعيل أحمد
قليلة هي الأغاني التي استحقت صفة الوطنية لأنها تنزهت عن قصائد "المدح العابر" الذي ساد في مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني، ومضت تلتقط وطنها في لحظة نوعية من بناء ذاته، متجاوبة مع نبض الشعب. نذكر من بين ذلك الأغاني الأولى للاستقلال مثل "عدت يا خير إمام" لعبد القادر الراشدي و"يا صاحب الصولة والصولجان" لأحمد البيضاوي المرتبطتين بحدث نفي المغفور له محمد الخامس وعودته مع الأسرة الملكية إلى بلاده. ثم هناك الأغاني الخالدة التي أرخت لحدث المسيرة الخضراء. لكن أغنية "نادني يا ملكي"، موضوع هذه الورقة"، والتي كتبها حمادي التونسي، ولحنها عبد القادر الراشدي وغناها إسماعيل أحمد، تظل تسجل واحدة من اللحظات المهمة في ذاكرة المغاربة. يتعلق الأمر بحرب الرمال التي واجه فيها المغاربة عسكر الجزائر ضمن أول مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين، تلك الحرب التي انتصر فيها بلدنا بقوة السلاح دفاعا عن ترابه الوطني، وانتصر فيها فنيا حين نجح الثلاثي الفني في تعبئة المغربيات والمغاربة ليواكبوا "حرب الأيام الثلاثة" هاتفين في الشوارع: 
طايع راضي نموت شهيد أنا وأولادي
نضحي بشبابي و نهدي عمري وما عندي 
في سبيلك يا بلادنا
ولذلك كان من الطبيعي أن تشكل تلك اللحظة المشحونة بعواطف النصر العقدةَ التاريخية التي تفسر جوهر العداء الذي يكنه العسكر الجزائري للمغرب وللمغاربة.
 
 
السياقان العسكري والإبداعي
لوضع الأغنية في سياقها التاريخي لا بد أن نشير إلى معطيين أساسيين ارتبطا بالموضوع:
الأول: متعلق بحرب الرمال التي كان المغرب ملكا وشعبا يعتبرها دائما قد فرضت عليه بعد إقدام الجيش الجزائري على مهاجمة المنطقتين الحدوديتين المغربيتين حاسي بيضا وتنجوب إثر حملة ظالمة خاضها الحكام هناك بذريعة أن بلادنا كانت مساندة لتمرد القبايل ضد السلطة الجزائرية الناشئة، وبعد فشل المساعي التي أعلنها المغرب، رغم ذلك، من أجل وقف العدوان. 
المعطى الثاني: يتعلق بتزامن إبداع تلك الأغنية بظروف نشأة الأغنية العصرية التي ساهم فيها فنانون شباب وضعوا على عاتقهم مسؤولية تطوير الغناء المغربي، وتمتيعه بلون مغربي متميز عن تأثيرات الأغنية الشرقية والمصرية تحديدا، وعن طابع الأغاني الشعبية والفلكورية لمغرب ما قبل الاستقلال.
بهذا الخصوص التقى الثلاثة رحمهم الله وهم ينتمون إلى جيل واحد:
حمادي التونسي كاتب الكلمات، وعمره آنذاك 29 سنة شاعر زجال، وممثل أدى أدواره الأولى ضمن فرقة الإذاعة والتلفزة المغربية بإدارة  عبد الله شقرون، وهو الإطار التمثيلي الذي ظل منخرطا به إلى سن التقاعد بعدما تكرست صورته في دور العاشق. ثم هو أيضا من رواد كتاب الكلمات الغنائية التي شغلت الناس، خاصة في السنوات الأولى من عمر الاستقلال. ونذكر بهذا الخصوص أغانيه "يالغادي في الطوموبيل" التي لحنها الرائد محمد بنعبد السلام وغناها عبد الوهاب الدكالي، وأغنية "التلفون" التي غنتها أمينة إدريس من تلحين بنعبد السلام كذلك...
ثم هناك الملحن عبد القادر الراشدي الأكبر سنا نسبيا ( عمره آنذاك 34 سنة)، وكان قد تكرس يومها بأغنيته المشار إاليها آنفا "عدت يا خير إمام"، وبريادته إلى حين تولي مهمة رئيس الجوق الوطني للإذاعة والتلفزة المغربية منذ عقود. وهو يمثل الجيل الأول من الملحنين المغاربة إلى جانب أحمد البيضاوي ومحمد بنعبد السلام وعبد الله أكومي وعبد الرحيم السقاط...
ثم هناك المغني إسماعيل أحمد (وعمره آنذاك 30 سنة)، وكان الأكثر نجومية يومها بحكم شهرته بين المغاربة كمغن رائد يتميز بالكثير من الميزات الموسيقية والأدائية التي يعز نظيرها في شبكات الأداء الغنائي المغربي.
 
أغنية بنفس حماسي-عاطفي
أما الأغنية فقد نجحت للاعتبارات التالية:
- لطابعها الحماسي. فلقد كانت  أغنية حرب بالمعنى التام للكلمة، بحيث استمدت قوتها وألقها من اعتماد معجم يعكس حقلا دلاليا وطنيا ودينيا يربط بين التحفيز على حرب كانت الأولى في تاريخ المغرب المستقل، وإعلان الاستعداد للاستشهاد لأن مبدعي تلك الأغنية كانوا قد رأوا في ذلك الاستشهاد إعلاء لفكرة الجهاد في سبيل البلاد.
- نجحت الأغنية كذلك لاعتمادها دفقة عاطفية بالتأكيد على أن ذلك الاستعداد للاستشهاد مقرون باستعداد الرجل وأولاده لخوض الحرب لرد العدوان، أي ما يفيد أن الأسرة المغربية كلها معنية. فقط هي في انتظار أمر الملك القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية:

نادني يا ملكي يا حبيب الشعب
نادني يا ملكي تلقاني سامع 
وما دمنا نتحدث عن المعجم، وعن الدفقة العاطفية فمن الضروري الإشادة بالمستوى الراقي للكلمات المستعملة آنذاك، والتي نهلت في الغالب من اللغة العربية الفصحى بالشكل الذي يجعل الأغنية مفهومة لدى كل الشرائح الاجتماعية، دون أن تفقد انتماءها للغناء الوطني الجدير بأن يسجل في الذاكرة الغنائية بفخر.
ليست هذه المميزات هي فقط مصدر قوة الأغنية. بل إن اللحن المغربي الأصيل الذي أنجزه الرائد الراشدي جعل الأغنية قريبة من النشيد، وفي تواشج روحي مع عمق الأغاني الشعبية، الحماسية والعاطفية. وقد تضافر كل ذلك مع الصوت السجي لإسماعيل أحمد الذي كان له دور بليغ في إيصال الأغنية إلى أعماق وجدان المغاربة، ويذكر الذين عايشوا حقبة منتصف الستينيات كيف كانت صورة المغني تتصدر محلات بيع الأسطوانات وهو بلباس مغربي تقليدي في حين كانت أجهزة الراديو في الحافلات وسيارات الأجرة وحوانيت البقالة وكل المهن تردد مع المغني كلمات ليست كالكلمات، بل هي شعارات تعبئة تصل عقل المغاربة وقلبهم بسلاسة، وبدون نبرة خطابية مفتعلة. 
 
***
كلمات الأغنية
نادني يا ملكي
كلمات حمادي التونسي، لحن عبد القادر الراشدي، غناء إسماعيل أحمد
 
طايع راضي نموت شهيد أنا واولادي
نضحي بشبابي و نهدي عمري وما عندي
ف سبيلك يا بلادنا
نوهب حياتي لاوطاني ونحميك من كل ظالم غدار
ندافع بجهادي وإيماني ونعدي كل من ڭال فيه العار
 
نادني يا ملكي يا رمز الشعب
نادني يا ملكي تلقاني سامع
نادني يا ملكي يا حبيب الشعب
نادني يا ملكي تلقاني طايع

تراب بلادي ما نسامح فيه
روح اجدادي تحاسبني عليه
أمانة غالية تركوها في إيدينا
نهدي لها دمنا و سلاحنا الاتحاد
أرواحنا راضية تفدي ملكنا
وتخلي دكرو و مجدو في كل بلاد