الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
سياسة

عثمان الزياني: المد التقنوقراطي في حكومة أخنوش يؤشر على وجود أزمة في إنتاج النخب الحزبية

عثمان الزياني: المد التقنوقراطي في حكومة أخنوش يؤشر على وجود أزمة في إنتاج النخب الحزبية عزيز أخنوش رئيس الحكومة (يمينا) وعثمان الزياني

قال عثمان الزياني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الأول بوجدة، في تعليق لجريدة "أنفاس بريس" عن التشكيلة الحكومية الجديدة، إنه غالبا ما تثار تساؤلات عدة إبان تشكيل الحكومات انسجاما مع طبيعة التحالفات القائمة التي تفرزها نتائج الانتخابات، وذلك عبر قياس بعدها الكمي/ العددي، وأيضا بعدها النوعي، وكذا استحضار مختلف معايير التوزيع والتجميع على مستوى هيكلة  قطاعاتها، وبمعنى أيضا قياس مدى التركيز في جانب تمايزها البنيوي ونسقها الوظيفي على عنصري الانضباط والالتزام بمعايير الترشيد والعقلانية والفعالية في سبيل تحقيق المردودية في الأداء مستقبلا، بالإضافة إلى قياس مؤشر التغيير على مستوى تركيبة النخبة الحكومية مقارنة بالحكومات السابقة.

 

وأوضح الزياني أن الهيكلة الحكومية الحالية حافظت على ملامحها الكبرى على الرغم من إحداث بعض التغييرات، مقارنة بحكومة العثماني السابقة، سواء عن طريق الفصل أو التجميع بين قطاعات مختلفة. فعلى المستوى الكمي -يضيف-  تم الحرص على هيكلة حكومية معقولة من حيث العدد سيرا على النهج الذي تم اعتماده في النسخة الثانية من الحكومة السابقة للسيد "العثماني"، في انتظار تعيينات كتاب الدولة، ومما ساهم في ذلك بشكل كبير -يضيف محاورنا- هو عدد الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية الذي تم اختزاله في ثلاثة احزاب فقط، وهذا الأمر يسر إلى حد كبير المشاورات والمفاوضات الحكومية بخصوص ترشيد التركيبة القطاعية للحكومة، إلا أنه على مستوى تدبير بعض القطاعات يمكن أن يطرح إشكالا عميقا خصوصا قطاع التعليم، إذ على الرغم من الفصل بين قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي من جهة وقطاع التعليم العالي من جهة ثانية، وهي مسألة محمودة، إلا أن الجمع بين قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة يمكن أن يطرح اشكالات تدبيرية وتنظيمية وتنسيقية مهتبر الأمر بـ "العملية العويصة"، مسجلا أيضا عدم الإبقاء على حقوق الإنسان كقطاع وزاري الذي كان تحت مسؤولية وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان في النسخة الثانية لحكومة العثماني، إذ يمكن ان يعهد به إلى كاتب الدولة فقط في انتظار التعيينات طبعا.

 

ولاحظ الزياني أيضا الإبقاء على نفس الوجوه في كل من وزارة  الداخلية "عبد الوافي لفتيت" والأوقاف والشؤون الاسلامية في شخص "أحمد التوفيق كوزير معمر" ووزارة الخارجية في شخص "ناصر بوريطة "، والأمانة العامة للحكومة في شخص "محمد حجوي"، وهذه الوزارات تظل خارج المفاوضات والمشاورات الحكومية وتخضع لمنطق وزارات السيادة التي لا يملك رئيس الحكومة اليد الطولى فيها، مما يطرح معه دائما مستويات المسؤولية الحكومية، والتي تستفز المنطق الديموقراطي السليم في تدبير كل القطاعات الحكومية التي يجب أن تقع تحت إمرة رئيس الحكومة.

 

وأشار الزياني، في هذا الصدد أيضا، إلى الإبقاء على عبد اللطيف لوديي في منصب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، وتقلد نادية فتاح العلوي منصب وزيرة الاقتصاد والمالية، بعدما حملت حقيبة السياحة في النسخة الثانية من حكومة سعد الدين العثماني. وتقلد محسن الجزولي في الحكومة الجديدة منصب وزير منتدب لدى رئيس الحكومة مكلف بالاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية، بعدما كان وزيرا منتدبا لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.

 

وعلى الرغم من استقدام الوجوه الجديدة -يوضح محدثنا- فإنه عمليا من الصعب الحديث عن حكومة كفاءات بفعل وجود بعض الأشخاص الذين تحوم حولهم الشكوك بخصوص مدى قدرتهم على حسن تدبير قطاعاتهم الوزارية، خصوصا وأنه تم اعتماد  وزيرة سبق أن تم اعفاؤها من مهام مديرة لسوء تدبيرها للمهمة التي كانت ملقاة على عاتقها، وحتى على مستوى الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي للحكومة الذي يطرح معه بحكم موقعه أكثر من علامة استفهام، وهو المنصب الذي يتطلب من الوزير لأن يكون كائنا تواصليا بامتياز.

 

وأكد أيضا أن هناك نوع من "المد التقنوقراطي" حتى وإن كان يحيا في زي حزبي، خصوصا على مستوى استوزار بعض الشخصيات التي استقدمها حزب الأحرار، والتي يعوزها في الغالب التكوين  السياسي والمعرفي الذي يتم اكتسابه على مستوى التدرج في الأجهزة القيادية الحزبية (الأمر الذي نجده حاضرا بقوة في حزب الاصالة والمعاصرة)؛ وهذا المد التقنوقراطي -حسب الزياني- استمسك حتى بعروة قطاع التعليم  في شخص "شكيب بنموسى" الذي سبق له أن شغل منصب وزير الداخلية في حكومة جطو وكان رئيس لجنة النموذج التنموي الجديد، وهذا ينذر مستقبلا بالرغبة في اعتماد نوع من القبضة الحديدية لقطاع التعليم الذي عرف الكثير من القلاقل والملفات الحارقة، خصوصا ملف "التعاقد "، على الرغم من أن بعض القراءات تقول بأن الهدف هو إدماج اصلاح التعليم في إطار النموذج التنموي الجديد، مؤكدا بأن هذا المد التقنوقراطي المشهود يؤشر على وجود أزمة فعلية في انتاج النخب الحزبية، وتكريس الحكم غير السياسي.

 

ليخلص في الختام إلى أن هذه الحكومة تأتي في سياقات تختلف عن سابقاتها، بحكم أنها مدعوة الى تدبير إرث من الاختلالات التي تراكمت مع الحكومات السابقة خصوصا مع حكومة "عبد الاله بنكيران" وحكومة "سعد الدين العثماني"، وهذا لا ينفي طبعا مسؤولية  القيادة الحكومية الحالية التي كانت جزء منها، ويعني بذلك حزب الأحرار بدرجة أولى، كما أن هذه الحكومة -يقول الزياني- أمام تحديات اقتصادية واجتماعية أفرزتها جائحة كورونا، وأيضا فروض جسامة رهان تنزيل النموذج التنموي الجديد، بمعنى أن البرنامج الحكومي لن يخرج -وفق رأي الزياني- عن ما هو مسطر في هذا النموذج التنموي الجديد مما يجعل الحكومة بغض النظر عن تكويناتها في معترك اثبات ذاتها، وتبديد مخاوف الفشل والانتكاسة، لأن الأمر سيطرح معه بشكل جدي الهوية البرنامجية والتدبيرية للحكومة، بالإضافة إلى قضية الوحدة الترابية ومختلف التحديات الإقليمية والدولية...