الأربعاء 7 يناير 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: ثمن الإلهام

منير لكماني: ثمن الإلهام منير لكماني
تولد الفكرة صغيرة، ثم تكبر فجأة، ثم تملأ الرأس حتى لا يترك لصاحبها فسحة لراحة. نحب هذا الوهج حين يصنع كلمات جميلة، أو يحل مشكلة عالقة، أو يفتح بابا لم يكن في الحسبان. لكن الوهج نفسه قد يتحول إلى نار: سهر طويل، قلب متوتر، كلام يتسارع، ونفس تضيق بلا سبب واضح. هنا يظهر وجه آخر للخيال: قدرة تمنح، وقدرة ترهق.
 
شرارة المعنى
الخيال ليس حلما عابرا. هو عين ثانية ترى ما لا يراه الناس في العادة: علاقة بين أمرين متباعدين، معنى وراء كلمة، احتمال خلف حركة بسيطة. صاحب الخيال القوي قد يبدو لغيره غريبا أو مبالغا، لأنه يعيش كثافة لا يعيشونها. هو لا يمثل، بل يشعر بعمق. وحين ينجح في تحويل هذا العمق الى عمل، يدهش الجميع. لكن حين يعجز عن ضبطه، يتعب وحده.
 
سجن الإحتمالات
المشكلة لا تبدأ عندما نفكر كثيرا، بل عندما يصبح التفكير قهرا. فكرة تجر فكرة، وخاطر يلد خاطرا، حتى يصير العقل مثل سوق صاخب لا يغلق أبوابه. في هذه الحال يفقد الشخص أبسط النعم: نوم هادئ، تركيز طبيعي، ومتعة لحظة عادية. قد يضحك فجأة ثم يسكت فجأة. قد يندفع الى أشياء كثيرة ثم ينهار أمام أشياء صغيرة. وقد يختلط عليه الصوت الداخلي بالصوت الخارجي، فيحس أن العالم يضغط عليه من كل جهة.
 
قناع الإبهار
الناس أحيانا يصفقون للإندفاع ويظنونه قوة. يمدحون من يعمل بلا توقف، ويتكلم بلا توقف، ويخطط بلا توقف. ثم إذا سقط قالوا: كان يجب أن يتحمل. هكذا يتحول الخيال إلى قناع: يظهر صاحبه متماسكا أمام الناس، بينما هو من الداخل يتشقق. أخطر ما في الأمر أن الشخص نفسه قد يصدق القناع، فيؤجل الراحة ويؤجل الاعتراف بالتعب، إلى أن يصير التعب أكبر من قدرته على السيطرة.
 
ميزان دقيق
الخيال يحتاج ميزانا لا سجنا. يحتاج حدودا رقيقة تحميه من التشتت. أول هذه الحدود النوم. النوم ليس رفاهية، بل صمام أمان. ثم الطعام المنتظم، والحركة اليومية، والإبتعاد عن السهر الطويل وكثرة المنبهات. ثم ترتيب اليوم: وقت للعمل، وقت للراحة، ووقت للناس. الخيال حين يعيش بلا نظام يتحول الى موجة عالية، والموجة العالية قد تغرق صاحبها.
 
حنان بلا تمييع
من يعيشون مع شخص حساس لا يحتاجون خطبا طويلة. يحتاجون سلوكا بسيطا: لا سخرية، لا فضول جارح، لا نقل كلام. يحتاج أن يسمع جملة واحدة صادقة: أنا معك، ولكن لن نترك الأمر يزداد. الحنان لا يعني أن نبرر كل تصرف، ولا أن نغطي الأذى إذا وقع. الحنان يعني أن نواجه بكرامة: نهدئ الجو، نقلل المشاحنات، ونفتح باب الكلام في وقت مناسب، من دون فضائح ولا تهديد.
 
قوة المساعدة
هناك لحظات لا يكفي فيها البيت وحده. حين يطول السهر، أو يتكرر الانهيار، أو يظهر خوف شديد، أو يصبح الغضب سريعا، أو تتغير الشخصية بحدة. عندها تكون المساعدة خطوة شجاعة لا نقصا. مثلما نطلب العون حين يوجع الجسد، نطلب العون حين يتعب الداخل. السر هنا في طريقة الأمر: بهدوء، بسرية، وبكلمات تحفظ المقام. لا نرمي الشخص بكلمة قاسية، ولا نتركه وحيدا بدعوى الستر.
 
طريق الى الإتزان
الخيال هدية، لكنه يحتاج رعاية. والروح القوية ليست التي لا تتعب، بل التي تعرف متى تتوقف ومتى تطلب سندا. فهل نعرف كيف نميز بين الإلهام وبين الإنهاك قبل أن تتسع الهوة؟ وهل نملك لغة رحيمة لا تجرح ولا تدلل؟ وحين يقترب أحدنا من الحافة، هل نمد له يدا تثبته، أم نكتفي بالنظر وانتظار ما سيحدث؟.