الأحد 28 نوفمبر 2021
كتاب الرأي

سعيد أكدال: الوصايا العشر في التدبير الجماعي.. بناء العمل الجماعي من بناء الإنسان

سعيد أكدال: الوصايا العشر في التدبير الجماعي.. بناء العمل الجماعي من بناء الإنسان سعيد أكدال

إن أهم مكون في التدبير الجماعي هو العنصر البشري. فمهما أبدعنا في وضع القوانين ومهما ابتكرنا من مساطر إدارية تهدف خدمة المواطن، لا بد من الاعتناء بالموارد البشرية التي تسهر على تنفيذ هذه القوانين وتجسيدها في سلوكات يومية. فبناء العمل الجماعي بناء صلبا لا يأتيه الباطل بأي حال من الأحوال وبأي شكل من الأشكال لا يتحقق إلا بإعادة بناء الإنسان بناء صحيحا.

 

إلا أنه مع الأسف، ما زال المكون البشري يعاني من بعض النقائص التي تمنع من الوصول إلى حكامة جيدة. وسنعمل على توضيح هذه النقائص انطلاقا من المعايشة اليومية والملامسة المباشرة، ومن خلال التجربة الميدانية لمدة تقارب ثلاثين سنة من تحمل المسؤوليات داخل دواليب أكبر الجماعات الترابية بالمغرب.

 

قد يبدو الحديث بسيطا وقد يتبادر للدهن أن المعالجة تتم بأسلوب غير أكاديمي. ويعزى ذلك إلى كون أن القضايا المثارة هي التي تقتضي التعامل مع الموضوع بهذه الطريقة. فغالبا ما يتم إثارة مسألة التدبير الجماعي بالمغرب بعيدا عن الواقع المعاش وفي غياب تام للحديث عن الحقيقة التي تفتقد فيها العديد من الكتابات إلى الجرأة المطلوبة ومواجهة الحقيقة الواقعية.

 

أولا: الهيكلة الإدارية للجماعات الترابية

لقد دأبت الوزارة الوصية على اقتراح نموذج منظام إداري بالجماعات الترابية من أجل تنظيم العمل. غير أن المؤاخذة في هذا المقترح هو أن مختلف الجماعات تذهب إلى تجسيده كما هو دون أدنى تعديلات، في حين أن النموذج هو في الأصل للاستئناس وليس قانونا مفروضا أو وثيقة ملزمة.

فالجماعات الترابية المغربية ليست لها الخصوصيات المجالية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية نفسها. فكل جماعة لها خصوصياتها التي تقتضي تبني منظام يتلاءم مع هذه الخصوصيات. وأعتقد أن هذا الواقع يمثل إحدى العراقيل التي تقف في وجه التدبير الجماعي بالمغرب.

 

ثانيا: المواءمة بين التخصص والمهمة

يلاحظ في الكثير من الحالات أن المسؤولية تناط بالموظف دون الحرص على أن يكون هناك توافق بين التكوين وطبيعة المهمة. فلطالما أسندت مهام إدارية لأطر تقنية أو كلف تقنيون بمهام ذات طبيعة إدارية.

 

ثالثا: النزاهة وبياض اليد

قد تتوفر كل الشروط المثلى داخل إدارة ترابية: من تنظيم قانوني ومؤسساتي وتوفر لكل الوسائل اللوجيستيكية. ولكن بالمقابل لا تتمتع الموارد البشرية بالنزاهة والعفة، ويتم التعامل مع المرتفقين من منطلق الاستفادة المادية غير المشروعة. وبعبارة أوضح، يشكل الارتشاء أخطر تهديد يعيق الوصول إلى الحكامة الجيدة مهما تم الاجتهاد في التحصين القانوني للعمل الجماعي ومهما تم القيام به من تدابير تنظيمية.

 

رابعا: روح المسؤولية لدى الجهاز المنتخب

يعتبر إسناد تدبير الجماعات لجهاز منتخب تجسيدا للديمقراطية وتمكين الشعب من تدبير شؤونه بنفسه. وبغض النظر عن الكفاءة والانتماء السياسي والإيديولوجي، فإن ما يتحتم توفره لدى المنتخبين هو عنصر العفة. فنجاح التدبير لا يتحقق إلا في غياب الفساد الإداري بكل أنوعه.

 

خامسا: العلاقة بين الجهاز المنتخب والموظفين

فمن المعروف أن المنتخب ينتمي إلى الجهاز الذي يخطط ويضع التصورات والمشاريع والبرامج. أما الموظف فهو ينتمي إلى الجهاز التنفيذي داخل الإدارة الجماعية. كل جهاز من هذين الجهازين له حدود اشتغاله، ومن المفترض ألا يتجاوز كل جهاز حدوده. إلا أن الواقع يعبر على عدم احترام هذه الحدود وهو ما يعطل مسلسل اتخاذ القرار (سيخصص مقال قادم لهذا الموضوع).

 

سادسا: مشكلة الخلف داخل الجماعات الترابية

يلاحظ منذ بضع سنوات أن الجماعات الترابية بالمغرب راحت تشكو من إفراغ تدريجي من حيث الأطر واليد العاملة نتيجة الإحالة على التقاعد، إذ أنها كثيرا ما تجد صعوبات في   تعويض المحالين على التقاعد خصوصا بالنسبة للاختصاصات التقنية والمهنية، مما يضع هذه الجماعات أمام مشكلة الخلف.

 

سابعا: التخلي عن منصب المسؤول المساعد في التعيينات

إلى حدود بداية القرن العشرين كانت الجماعات الترابية تعمل وفق منظام إداري يتميز بمسؤولين مساعدين. حيث كان لكل رئيس مصلحة أو قسم مساعد أو نائب يعوضه أثناء غيابه أو مرضه أو كلما أعاقه عائق. وفائدة هذا الإجراء هو أنه يضمن البديل ويحرص على استمرارية الكفاءة والمهنية.

 

ثامنا: التكوين المستمر وغياب الفعالية

لقد أصبح التكوين المستمر إجراء إداريا روتينيا يراد منه فقط صرف غلاف مالي منصوص عليه بوثيقة الميزانية، بحيث لا تحصل من ورائه الفائدة المرجوة. فحتى وإن كان يتم تنظيم دورات تكوينية فإنها تتصف بعدم الانتظام وعدم الاستمرارية. فدورة تكوينية مدتها أسبوع أو أسبوعين أو حتى شهر لا تحقق المبتغى. فنعتقد أن الضرورة تقتضي أن يتم التكوين خلال موسم دراسي بأكمله باحترام تام لكل شكليات ومضامين التلقين والتدريس، وتسلم عند نهاية الموسم شهادة يتم بواسطتها إعادة التعيين للموظف المكون وتكليفه بمهمة جديدة توافق التخصص الذي تم وفقه التكوين.

 

تاسعا: آفة انفرادية القرار وغياب البعد التشاركي في العمل الجماعي

مع تزايد الوعي عند المواطن المغربي أصبح مبدأ الإشراك في اتخاذ القرار ضرورة ملحة. خصوصا وأن القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات ينص على مبدأ مشاركة المواطنين والمواطنات والجمعيات في إعداد برامج العمل وتتبعها بالجماعات الترابية، حيث حدد الآليات التشاركية للحوار والتشاور وتقديم العرائض من المادة 119 إلى المادة 125.

غير أن التجربة الجماعية تبرز غياب البعد التشاركي في تدبير الشأن المحلي بالمغرب. ففي معظم الجماعات إن لم نقل جلها يتم تسجيل حالات انفرادية اتخاذ القرار ليس فقط بالنسبة لفعاليات المجتمع المدني ولكن حتى بالنسبة للمنتخبين داخل الجماعات نفسها وهو الواقع الذي يتعارض تماما مع مبدأ ديمقراطية التسيير الجماعي.

 

عاشرا: الوضعية المالية للمشتغلين بالجماعات المحلية

تعاني الشغيلة بالجماعات المحلية من تدني واضح للأجور وجمودها. فالحوارات الاجتماعية لم تنصف هذه الفئة من الشغيلة المغربية. فالكثير من القطاعات شهدت تطورا لأجور مستخدميها، في حين يظل قطاع الجماعات المحلية يشتكي من هذا الحيف.

 

قد يقول قائل عن جهل بواقع العمل الجماعي بالمغرب، إن اعتماد أسلوب التدبير عن طريق شركات التنمية المحلية هو خطوة ترمي إلى تجاوز المعضلات المرتبطة بالموارد البشرية للجماعات لأنها ترتكز على طرق تسيير مقاولاتي مخالف للتدبير الجماعاتي الكلاسيكي. بيد أن التجربة التي بدأت معالمها الأولى تظهر منذ اعتماد أسلوب شركات الاقتصاد المختلط في نهاية العقد الأول من هذا القرن، في جماعة الدار البيضاء، لم تحقق الغايات المطلوبة والوصول إلى تدبير متطور يرقى إلى ما يصبو إليه المواطن المغربي.

 

وتظل الوصايا العشر المشار إليها هي الأرضية التي لا محيد عنها لأن أخذها بعين الاعتبار والانكباب على معالجتها يمثل السبيل الموصل إلى تدبير جديد للشأن المحلي بالمغرب يتوافق مع انتظارات الرأي العام المغربي بكل أطيافه.

 

وما وعي دول الغرب بالمشاكل المرتبطة بالموارد البشرية والتصدي لها باستمرار إلا ذلك المفتاح الذي استطاعت بواسطته الأجهزة المسؤولة عن التدبير الجماعي تفادي العقبات والاستفادة مما تجود به الحكامة الجيدة التي تجعل الهم الأكبر هو خدمة المواطن بالدرجة الأولى.

 

إن تجاوز الوضع الحالي للجماعات المغربية لن يتأتى إذن إلا بوضع قطيعة مع التدبير الكلاسيكي واعتماد آليات وأساليب حديثة في التعامل مع قضايا الشأن المحلي.

 

- سعيد أكدال، إطار جماعي وباحث جغرافي مهتم بالشأن المحلي