الأحد 28 نوفمبر 2021
خارج الحدود

من المستفيد من فوضى أفغانستان.. اقرأ تحليل أبو وائل الريفي

من المستفيد من فوضى أفغانستان.. اقرأ تحليل أبو وائل الريفي عناصر من حركة طالبان في شارع بالعاصمة كابل

يقرأ أبو وائل الريفي، في بوحه الأسبوعي بموقع "شوف تيفي"، دلالات انسحاب القوات الأمريكية وترحيل/ إجلاء مواطني الدول الغربية من أفغانستان، بعد سيطرة طالبان على العاصمة كابول.. مشيرا إلى أن هذه الدول قد تنجح في ترحيل مواطنيها الغربيين وقواتها، ولكنها حتما لن تتوفق، في حدود الأجل، في ترحيل الأفغان المتعاونين والمتعاقدين معها والمهددين مستقبلا.. ليخلص في نهاية مقاله إلى أن التنافس بين القاعدة وربيبتها داعش قد بدأ الآن على الأرض من أجل إلحاق آخر الهزائم بالقوات الغربية في أفق إعادة أرض أفغانستان إلى سابق عهدها كأرض لتفريخ الجهاديين من أجل إعادة توجيههم إلى خارج أفغانستان...

 

"بعد أسبوع على سيطرة طالبان على كابل، وبعد انكشاف اتفاقات قبلية جرت تحت الطاولة وفوقها، يتضح اليوم أن المشكلة ليست في مبدأ الانسحاب ولكن في توقيته وطريقته. مبدأ الانسحاب كان منتظرا منذ سنين ولكن توقيته كان متسرعا وطريقته كانت مذلة وصيغته الأحادية كانت مضرة لحلفاء أمريكا قبل غيرهم وخادمة لأحلاف أخرى...

 

لقد طفا على السطح طيلة هذا الأسبوع سوء التفاهم بين أمريكا وشركائها الغربيين حول آخر أجل للانسحاب والخوف من انفراد كل طرف بمواقف تجاه طالبان لأن من شأن هذا تقوية نفوذهم بلعبهم على تناقضات الدول ومصالحها الفردية. باريس ولندن وبرلين يطالبون بتمديد الإجلاء إلى ما بعد 31 غشت وأمريكا تعلن وفاءها لهذا التاريخ وطالبان تعتبر التمديد خط أحمر. هذه أول انتكاسة للتحالف الغربي. لقد وصل الأمر بألمانيا، الخائفة على مصالحها ورعاياها، إلى حد تصريح المستشارة ميركل أمام البوندستاغ بأن “طالبان حقيقة واقعة في أفغانستان” وأن “هذا الواقع الجديد مرير لكن علينا مواجهته”، ولكن مع أمريكا ووراءها حيث قالت بأن سلطات بلادها ستواصل عمليات الإجلاء من أفغانستان ما دام ذلك ممكنا، ولكن ذلك لن يكون ممكنا إلا مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

قد تنجح هذه الدول في ترحيل مواطنيها الغربيين وقواتها، ولكنها حتما لن تتوفق، في حدود هذا الأجل، في ترحيل الأفغان المتعاونين والمتعاقدين معها والمهددين مستقبلا. وهذه رسالة سلبية لكل من يتعاون مع هذه الدول مستقبلا وتسليمهم لطالبان. لا يمكن التعويل على وفاء طالبان بوعودها الآن بتوفير ممر آمن للمدنيين، وهو مطلب الدول السبع، الذين يريدون الرحيل من أفغانستان لأن الوفاء بهذا الوعد رهين بميزان القوى مستقبلا والذي سيصبح لصالح طالبان التي ترى من الآن أن هذه سياسة لإفراغ البلاد من الكفاءات وتعتبر أن ذلك سعي لإفشال نظام حكمها. وبعيدا عن ترحيل الأفغان والأجانب يطرح خطر المعدات والأسلحة الأمريكية والغربية الموجودة هناك والتي يمكن سقوطها في يد طالبان ومن شأنها منحها تفوق عسكري إقليمي غير مضمونة نتائجه. ولأن قادة الدول الغربية أعلنوا أنهم سيحكمون على طالبان من خلال أفعالها وأنهم لا يثقون في وعودها فإن عنصر الزمن والانتظار يلعب لصالح طالبان التي تتقوى يوما بعد آخر وتربح المساحات وتوطد أركان حكمها بعد التعيينات الجديدة في المناصب الحساسة في البلاد. ما الضمانة المتوفرة لإخراج كل السلاح الغربي من أفغانستان في ظل هذا الأجل القصير جدا والذي جعل مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان يصرح بأن عملية الإجلاء معقدة وخطيرة، وجعلت بايدن يوصي مستشاريه بوضع سيناريو للتمديد في حالة الاضطرار إليه. لماذا لم يؤخذ بعين الاعتبار مبكرا مطلب باقي الشركاء الذين فوجئوا بهذا التاريخ الذي لا يناسبهم؟ أليس هناك تخوف من الخضوع للابتزاز الطالباني في حالة الرغبة في التمديد بما يمَكن طالبان من اشتراط بعض الشروط التي تقويهم أكثر من قبيل الإفراج عن الأرصدة المالية المجمدة والاعتراف بنظامها وإمارتها؟ ألا يمكن فهم اللقاء السري بين مدير المخابرات الأمريكية ورئيس المكتب السياسي لطالبان في هذا السياق؟ إنه اللعب بالنار ووضع المنطقة كلها أمام المجهول. قلت هذا منذ أول يوم وها هو يتأكد يوما بعد آخر. وقد كان يمكن الوصول إلى انسحاب بطعم الانتصار لو أحسن اختيار التوقيت والطريقة وقد كانت بالمتناول لو انفتحت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على فاعلين آخرين وخبرات أخرى ولكنها وضعت بيضها كله في سلة القطريين.

 

قد تعيش أفغانستان بعد هذا الانسحاب المتسرع حالة فراغ قاتلة يستغلها خصوم الناتو والغرب والعرب لصناعة واقع جديد في المنطقة، وقد بدأت ملامحه من الآن في ظل الدور الإيراني النشط هذه الأيام لتوظيف ورقة الحدود لتقوية دورها تجاه أفغانستان متجاهلة الخلاف المذهبي والطابع التكفيري لطالبان ومغلبة مصلحتها الاستراتيجية في المنطقة مع الاستعداد للعب ورقة الأقليات الأفغانية في إيران من خلال توظيف “فيلق فاطميون الأفغاني” الذي كان له دور كبير في سوريا بعد 2012 واكتسب خبرة ميدانية لا يستهان بها هناك. وللإشارة ففيلق فاطميون هذا يتكون في غالبيته من الأفغان اللاجئين في إيران والذي تقدر وكالة غوت اللاجئين عددهم بنحو ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني على الأراضي الإيرانية، وقد نجحت إيران في تشكيل ميليشيا مذهبية منهم بسوء استغلالها لمآسيهم الاقتصادية والاجتماعية ورغبتهم في تسوية أوضاعهم غير القانونية في الإقامة على التراب الإيراني. وهذا يذكرنا كذلك بتصريحات للحكومة الأفغانية السابقة حول التخوف من مساعي إيرانية لجر البلاد إلى الفتنة الطائفية من خلال تنظيم الحشد الشيعي الأفغانية الذي ترعاه إيران في أفغانستان. كما أن إيران بدأت من الآن اللعب على ورقة شعب الهازارا وهم أقلية شيعية اثني عشرية تتحدث الفارسية تعيش في أفغانستان. وبالمقابل، تلعب الهند ورقة أحمد شاه مسعود في ولاية بانجشير لقيادة تمرد ضد طالبان لتقوية موقعها في نظام الحكم المرتقب بعد الانسحاب ولتكون لها حصة تؤثر بها على مستقبل أفغانستان وولاءاتها إقليميا، وروسيا والصين كذلك لا تخفيان استعدادهما لربط علاقات جيدة مع نظام طالبان رغم التحفظات الشكلية التي تعبر عنها التصريحات الرسمية. وطبعا النفوذ الباكستاني حاضر بقوة بحكم الارتباطات الوثيقة تاريخيا ومذهبيا مع طالبان. ولأن الأمر مصالح، ومصالح فقط، لا علاقة لها بالدين والمبادئ فإن تركيا أوردغان التي استبشرت بسيطرة طالبان وأعلنت رغبتها منذ البداية في الانخراط في الإشراف على أمن مطار كابل والمساهمة في إعادة إعمار البلاد سرعان ما تغيرت لهجتها بعد توصلها برسالة من طالبان تفيد أنها هي كذلك معنية بإجلاء قواتها. وحسب ما تسرب فإن حاجة طالبان لا تعدو أن تكون دعما فنيا تركيا لتشغيل المطار فقط. هذه الرسالة كانت كافية لينقلب أوردغان على نفسه ويعلن أنه يتعامل مع رسائل طالبان ب “تفاؤل حذر وأفعالها وليس أقوالها هي ما سيحدد شكل المرحلة القادمة في البلاد”. هذه كانت أكبر ضربة تلقاها أوردغان في أفغانستان والمستقبل وحده سيبين هل قلبه على أفغانستان أم هو لعابه فقط الذي يسيل على صفقات إعادة الإعمار. وهذه مرة أخرى رسالة للبسطاء الذين يتصورونه خليفة المسلمين والذين تنطلي عليهم جعجعة الشعارات والتصريحات التي يراد بها فقط مصلحة تركيا ولو كانت على حساب مصالح شعوب أخرى.

 

الآن وقد بدأ التنافس بين القاعدة وربيبتها داعش على الأرض من أجل إلحاق آخر الهزائم بالقوات الغربية في أفق إعادة أرض أفغانستان إلى سابق عهدها كأرض لتفريخ الجهاديين من أجل إعادة توجيههم إلى خارج أفغانستان إيذانا بفشل أمريكا التي اختارت أن تنسحب وتتنكر لكل التزاماتها السابقة في إطار مكافحة الإرهاب

 

أكبر هزيمة يمكن أن تمنى بها قوات ودول ليست هي الهزيمة العسكرية ولكنها الهزيمة النفسية والإعلامية لأن تأثيرها يطال معنويات الجيوش والشعوب وقادة الدول. وللأسف تتجه الأمور نحو هذا الاتجاه بطريقة تدبير الانسحاب من أفغانستان والمستفيد ليس هو الشعب الأفغاني ولا أفغانستان بقدر ما سيستفيد من الوضع قوى متطرفة تتحين الفرصة لتغرق أفغانستان في حرب طائفية وتدخل المنطقة في دوامة عنف وعنف مضاد"...

 

(عن موقع "شوف تيفي")