الجمعة 24 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

نوفل البعمري: نقاش حول تقرير مصير "شعب القبايل"

نوفل البعمري: نقاش حول تقرير مصير "شعب القبايل" نوفل البعمري
كلمة السفير عمر هلال التي تم تقديمها في مؤتمر عدم الإنحياز خلفت نقاشا كبيرا ليس فقط داخل الجزائر بل أيضا داخل المغرب بين من دافع عن أهمية تبني المغرب الرسمي لدعم استقلال و تقرير مصير شعب القبايل الذي ينطلق من ضرورة الرد بنفس سلاح الخصوم  حتى لو أدى إلى المس بواحدة من ثوابت الخطاب الدبلوماسي المغربي الداعم لوحدة الشعوب من منطلق مبدئي، و أخلاقي قبل أن يكون سياسيا، و بين من اعتبر أن هذا الخطاب "شخصيا أصطف مع هذه الفكرة" لا يمكن اعتباره مؤشرا على تحول في خطاب الدبلوماسية المغربية و لا يمس جوهر عملها المبني على النئي بالنفس عن المشاكل الداخلية لبعض الدول، و تبني طرح وحدة الدول و عدم المساس بسيادتها خاصة و أن جل خطب العاهل المغربي ظلت متشبثة بهذا الإختيار الاستراتيجي الذي لطالما أعلن عنه في قمم عربية "القمة المغربية-الخليجية" و في مناسبات وطنية عدة،و هو نفسه الخطاب الذي أطر عودة المغرب للإتحاد الإفريقي و شجع دول إفريقية عديدة لتكون مصطفة إلى جانبه، و داعمة له. هذا النقاش الذي تفجر يمكن القول أنه نقاشا صحيا، أبرز أن المجال الدبلوماسي المغربي مفتوح، غير مغلق، و أن المغاربة قادرين على التفاعل مع كل القضايا التي تهمهم و منتبهين لما يعتبرونه قضايا استراتيجية، و أكد على أن المغرب بلد له مناعة قوية داخلية لمناقشة كل القضايا دون أي عقد تاريخية و لا كوابح سياسية، و هو عنصر قوة، يقوي المغرب و يقوي الدبلوماسية المغربية و يُثبت أن المغاربة متابعين جيدين و منتبهين لدبلوماسيتهم، و للعمل الذي تقوم به، و أن الشأن الدبلوماسي لم يعد محتكرا في دوائر معينة، بل أصبح العمل الدبلوماسي المغربي شأنا عاما يتفاعل معه المغاربة كمل يتفاعلون مع مختلف قضاياهم الأخرى، و هي نقطة تُحسب للمغرب. 
بعيدا عن رد فعل النظام الجزائري الذي أصدر بيانا يعكس حالة الصدمة التي تلقاها نتيجة تصريح عمر هلال،هذا البيان الجزائري الذي لا يحتاج لأي تعليق لأنه يعكس حالة الأزمة التي يعيشها  النظام العسكري و انسداد أفقه السياسي داخليا و في المنطقة،و يؤكد عجزه على مسايرة المغرب في الإصلاحات التي تم قام بها، عليه فالسؤال الذي فجره تصريح عمر هلال، لابد من طرحه بالوضوح اللازم، هل يجب دعم و تبني فكرة تقرير مصير "لشعب القبايل"؟! 
طبعا الإجابة العاطفية، و التي تنطلق من 45 سنة من معاكسة النظام الجزائري للمغرب و لوحدته الترابية ستؤدي إلى القول بضرورة أن يتبنى المغرب مقولة " شعب القبايل المحتل"،و لم لا دعم حركة الماك و حكومة القبايل المنفية، لكن،
وبالمقابل الجواب العقلاني الذي ينطلق من قراءة تاريخية لنزاع الصحراء المفتعل و لمآلات كل النزعات الإنفصالية، وللخطاب الدبلوماسي المغربي يجعل من ضرورة التنبيه لعدم الإنسياق وراء هذا الخطاب على الأقل رسميا ليس من منطلق ضعف المغرب، من منطلق وطني بحث و بل لعدة اعتبارات أساسية منها:
المآل الذي انتهى إليه النظام العسكري الجزائري الذي نسي كل قضاياه الداخلية، و قام بتبذير ملايير الدولارات على النزاع المفتعل حول الصحراء،و عطَّل أية إمكانية لبناء جزائر قوية، ديموقراطية، و أجل سؤال التنمية الحقيقية بسبب انشغاله بالمغرب و بهذا النزاع،لا يجعلنا نتحمس  لفكرة تبني طرح و دعم تقرير مصير شعب القبايل، لأن ذلك سيدفع المغرب و دبلوماسيته لبذل جهد كبير في نزاع لن يكون له أي أفق سياسي بالمنطقة، و سيُشغل المغرب خارجيته بنزاع هامشي و  عن استكمال المهام الوطنية الكبيرة التي تقوم بها الخارجية المغربية و التب استطاعت أن تحقق تقدما كبيرا في المنطقة و في الأمم المتحدة، و لا يمكن تضييع كل هذه المكاسب و لا حشرها في فكرة "تقرير مصير شعب القبايل" 
المغرب في نموذجه الدبلوماسي لم يكن يوما يعمل بنفس المنطق الخبيث الذي يتحرك به النظام الجزائري،و لا يمكن أن يكون مثال يحتذى به، بل على العكس ظلت الدبلوماسية المغربية من خلال خطابها الواضح حول الدفاع على سيادة الدول،و وحدة الشعوب تصنع الفارق السياسي مع نموذج عسكري انتهت دورته المؤسساتية و أصبح يأكل نفسه ببطئ حتى انتهى للأزمة التي يعيشها، بالتالي لن يكون سلاح العسكر هو نفسه السلاح الذي قد يستعمله المغرب، لأنه لا مجال للمقارنة بين النظامين، و لا بين مساريهما. 
المغرب يعيي أن أزمته مع النظام الجزائري و ليس الشعب الجزائري و لا نخبه التي أصبحت تُعبر و إن بشكل محتشم بسبب حالة القمع الشديد الذي تتعرض له عن رفضها لما يقوم به العسكر الجزائري اتجاه المغرب و اتجاه ملف الصحراء،و لذلك لا يمكن أن نُحول أزمتنا و نجعلها مع الشعب الجزائري،الذي مازال يرفع شعار استقلال من هذه الطغمة العسكرية التي تسيطر عليه و تنهب مدخراته و خيراته الوطنية،بحيث  ظل المغرب  في خطابه يميز بين النظام و الشعب المغلوب على أمره و الذي مازال يكابد و يناضل من أجل تحقيق تغيير سلمي، ديمقراطي ينهي مع هذا النظام و ينتقل به لنظام مدني. 
فكرة استقلال القبايل،ظلت معزولة داخل الجزائر و لا امتداد سياسي داخلي لها، بل الحراك في هذه المنطقة ظل طيلة السنتين و أكثر يرفع علم الجزائر إلى جانب العلم الأمازيغي الثقافي، بالتالي حتى بالمعطى البرغماتي لا يمكن الرهان على ملف لن يكون له أي  تأثير حقيقي داخل الجزائر،و على عكس فكرة تقرير المصير شعب القبايل،الشعب الجزائري رفع شعار تقرير مصيره ككل، تقرير مصير بالشكل الذي يجعله يختار نظامه الذي يريد بشكل حر، دىموقراطي، و د سبق للحراك أن طالب "باستقلال الجزائر" معتبراً نفسه في حكم المُستعمر من طرف الجنرالات، لذلك تبني هذه الرؤية،رؤية الحراك نفسه في دعوته لتقرير مصير كل الشعب الجزائري ستكون خارجيا مُحرجة للنظام الجزائري بحيث  سيكون له مشترك مع البوليساريو في كونهما معا لا يمثلان من يدعون انهم يتحدثون باسمها، فلا النظام يمثل الشعب الجزائري و لا تنظيم البوليساريو يمثل الساكنة الصحراوية المحتجزة و المقيم منها بالمخيمات. 
المغرب ظل منسجما مع نفسه، فهو لا يمكن أن يكون في الأقاليم الصحراوية مع مبادرة الحكم الذاتي،و يكون داعما للإنفصال في منطقة أخرى، هذا التوجه سيسقطه في تناقض سياسي و سيؤدي للمس بتماسك خطابه الدبلوماسي الخارجي، و لا يمكن بعد كل الذي حققناه أن نعود لنقطة الصفر،بسبب دعوة عاطفية و انفعالية  للإنسياق وراء نظام مجنون ليس له ما يخسره و يعتبر اختلاق  الأزمة انتعاش له. 
المغرب فعل حسنا عندما لم يلتفت لبيان خارجية الجزائر التي طالبت بتوضيحات حول خطاب عمر هلال،المغرب ليس ملزما بالرد و لا بالتوضيح،و ليس مطالبا منه أن يدخل في تراشق إعلامي للرد على بيان و على الدعاية العسكرية التي يبثها و السموم التي ينشرها داخل الجزائر. 
كلمة عمر هلال أدت وظيفتها و قد تكون في طياتها تحمل رسائل لدول أخرى معنية بلإنفصال أكثر من الجزائر "إسبانيا مثلا"، و على كون المغرب قادر على استعمال نفس الخطاب بنفس القاموس و قادر على القيام بنفس التحركات المعادية و أكثر،و اذا كان يستند على خطاب أخلاقي و على الوضوح فلا يجب تجريبه في حرب دعم الإنفصال،و هنا الرسالة و إن وُجهت للنظام الجزائري فستكون قد وصلت لدول  أخرى تقف بشكل علني أو سري مع مليشيات البوليساريو. 
خطاب أو كلمة عمر هلال أدت وظيفتها، أربكت لعمامرة، و أظهرت له أن سلاحه قد يرتد عليه و على نظامه، و قد يتم استعماله هنا أو هناك في إطار السجال الذي قد يحدث بمناسبة ما، لكن لا يمكن أن يتحول للإعتبارات السابقة جزءا من الخطاب الرسمي للدبلوماسية المغربية و لا جزءا من تحركها في الخارج.