السبت 28 مايو 2022
سياسة

لبكر: لهذه الأسباب لا أرى في تصريح الجواهري إخلالا بمبدأ الحياد

لبكر: لهذه الأسباب لا أرى في تصريح الجواهري إخلالا بمبدأ الحياد رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بسلا
في سياق ردود الفعل حول خرجة عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، الأخيرة، أكد رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بسلا، أنه عوض أن تنتهج الأحزاب أسلوب "الهجوم أحسن دفاع" كان عليها أن تبادر بصياغة رد موضوعي ومقنع على خرجة الجواهري، وأضاف أنه لا يرى  أن تصريح الجواهري أو ما ورد في تقرير بنموسى تدخلا في شأن أحد منها، لأنهما لم يشيرا إلى أحد الأحزاب بالاسم.
 
ما الذي ازعج الأحزاب  في خرجة الجواهري عندما تساءل هل تتوفر الأحزاب على الموارد المالية لتطبيق برامجها، والكشف عن طريقة تدبيرها لهذه البرامج؟
أعتقد بأن هذا السؤال يجب أن يوجه إلى الأحزاب المغربية، فهي المعنية الرئيسية بالجواب، إذ عوض أن تنتهج الأحزاب أسلوب "الهجوم أحسن دفاع" كان عليها أن تبادر بصياغة رد موضوعي ومقنع على هذا السؤال، الذي لم ينفرد سي الجواهري ولا غيره بطرحه، بل حتى القانون التنظيمي رقم 07.21 القاضي بتغيير القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، والذي صادق عليه ممثلو الأحزاب ونواب الأمة، تضمن مقتضيات جديدة تتعلق  بسبل تحسين الموارد المالية للأحزاب، مع تحديد السقف المالي الذي يتعين على كل حزب أن يتلقاه كل سنة من طرف الواهبين والمتبرعين، فضلا عن تضمنه لمقتضيات أخرى تتعلق بكيفية مسك الأحزاب لحساباتها السنوية وإثبات صرف نفقاتها، ومنها مسألة البرامج هذه.
إذن لا أعتقد بأن السؤال المالي في عمل الأحزاب بدعة مستحدثة كي تثير كل هذا اللغط، بل العكس هذا السؤال  يدخل في باب الحكامة المالية والشفافية التي يدعو إليها الجميع. ربما الإشكال يكمن في طبيعة الشخصية التي طرحت السؤال، وهو والي بنك المغرب، وقبله السي شكيب بنموسى في تقرير لجنته حول النموذج التنموي الذي تضمن إشارات تنتقد آداء الأحزاب المغربية، فأين الإشكال إذن؟ هما قبل أي شيء مواطنان، يدليان بصوتيهما أثناء الانتخابات، ومن حقهما الإدلاء برأي حول هذه القضية التي تعنيهم كما تعني الجميع، ربما كان الإشكال سيطرح لو أشارا مباشرة أو تلميحا إلى حزب معين، على اعتبار خصوصية مركزيهما، الذي يفرض عليهما أخذ مسافة بين جميع الأحزاب، لاسيما وأننا في لحظة انتخابية بامتياز. لكن ما دام الأمر يتعلق برأي عام مجرد، فالأولى أن تجيب الأحزاب عنه، وجوابها هذا هو الذي سيخلق النقاش الذي مازلنا نبحث عنه لانتشال الزمن السياسي من حالتي  الرتابة والجمود المسيطرة عليه، وليس الالتفاف على الموضوع، بخلق زوبعة احتجاج تثير الشفقة على الفاعل السياسي مع الأسف. الملاحظ، أن بعض الأحزاب، رفعت من سقف وعودها لدرجة تثير الاستغراب والدهشة والفضول كذلك، ولعلنا، نحن المواطنين، إلى جانب الجواهري، نعيد طرح نفس السؤال، هل فعلا تتوفر هذه الأحزاب، في ظل الأزمة الحالية التي ضربت أغلب القطاعات، على الموارد الكافية لتحقيق ما وعدت به؟ وكيف سيتم ذلك؟ 
 
ما هو المركز الدستوري لوالي بنك المغرب الذي يخوله التدخل في شؤون  الأحزاب؟
فرق بين أن تعبر عن موقفك تجاه قضية تهم الوطن ولو كانت شأنا يخص الأحزاب، وبين التدخل المباشر في  عمل الأحزاب. أنا لا أرى أن تصريح الجواهري أو  ما ورد في تقرير بنموسى تدخلا في شأن أحد منها، لأنهما -كما قلنا آنفا- لم يشيرا إلى أحد الأحزاب بالاسم، ولو فعل أحد منهما ذلك لقلنا إنه يستهدف بعضها ويحاول الانتصار لطرف على حساب طرف آخر. وبالتالي توجيه الرأي العام تجاه ناحية معينة. أنا استمعت للتصريح وقرأت بعض ما جاء في التقرير، ووجدته كل ما قيل تحصيل حاصل، وتعبير موضوعي عن واقع معروف، فلا يمكن أن نحجب الشمس بالغربال. والوطنية في ظني تقتضي تسمية الأشياء بمسمياتها، لأن لغة الخشب لن تخلق الحدث ولن تخلخل الأوضاع، وحدها لغة الوضوح والصراحة، هي القادرة على فعل ذلك. وكن على يقين ان سي الجواهري لو تبنى جوابا عاديا، باردا، على النحو الذي نسمعه دائما من بعض المسؤولين، لما خلق هذا النقاش، الذي كان السبب في ميلاد العشرات من المقالات والحوارات والتصريحات والردود. فبهذا الأسلوب تتضح المواقف وتنكشف الرؤى ونتعرف على بعضها البعض جيدا، أما لغة الخشب فتزيد الوضع غموضا والمواطن نفورا من السياسة. وكي يكون لنقاشنا ذاكرة، أحيلك على الخطاب الملكي لـ 29 يوليوز 2017  الذي انتقد فيه الأحزاب أيما انتقاد، فهل استفادت من الدرس؟ ألم يكن هو القائل: "عندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه، وهو ما يجعل المواطنين يشتكون لملك البلاد، من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضه". أكثر من ذلك، أضاف الملك في نفس الخطاب: "أمام هذا الوضع، فمن الحق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانوا هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل"، ويقول أيضا: "بعض الأحزاب تعتقد بأن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية"، مضيفا: "عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها. وهذا شيء غير مقبول، من هيئات مهمتها تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم". وأختم استشهادي بهذا الخطاب باستفهام الملك: "إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون. ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين. وأنا أزن كلامي، وأعرف ما أقول … لأنه نابع من تفكير عميق". 
هذا غيض من فيض، وللوطن ذاكرة، أما إذا رجعنا إلى تقرير النمودج التنموي، فسنجد في صفحاته الأولى توطئة هي عبارة عن توجيهات من الملك إلى اللجنة التي أشرفت على النموذج، يحث أعضاءها على قول الحقيقة والصراحة ولو كانت موجعة، فهل تريد للجنة بنموسى بعد هذا التوجيه، أن تقول للملك: "إن العمل الحزبي في المغرب على أحسن حال وأن الأحزاب تقوم بمهامها  من داكشي الرفيع؟" هل سيكون جوابها هذا موضوعيا أم غير موضوعي؟ أترك لك الجواب... أعتقد بأن مركز سي الجواهري كواحد من المناصب السامية بالمملكة يلزمه واجب الحياد تجاه كل الأحزاب، هذا واقع، ولكن واجب الوطنية، يلزمه وغيره، بقول الحقيقة والتعبير بموضوعية عن كل الأشياء التي يراها غير سوية في بلاده، دون التجريح في أحد أو استقصاد طرف بعينه كما قلت، لأن هذا من صميم الثقافة التدبيرية الجديدة التي يحاول ملك البلاد التأسيس لها. ولو شئنا الإنصاف، فإن قول الجواهري، يتأسس في عمقه، على غيرة وطنية تجاه الأحزاب. فهو إذ ينتقد أداءها، فلأنه، ونحن معه، نتطلع إلى اليوم الذي تلعب فيه هذه الأحزاب أدوارها كاملة، بوطنية وتجرد وبعيدا عن منطق المقاعد والمكاسب، فالأحزاب بلا شك، شرط اساسي للبناء الديمقراطي، ولكي يكون البناء صلبا وقويا يجب أن تكون اللبنات صلبة كذلك.
 
هل هناك حالات مماثلة وقعت في دول أخرى؟
بصراحة لا تحضرني حالات بعينها، ولكن يمكن الإشارة في هذا الباب إلى مقتطفات من تقرير إخباري رائع نشره موقع ال"بي بي سي" ضمن سياق قراءته للفعل السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، اعتمد فيه على رصد يتضمن وجهات نظر عدد من الباحثين الشباب في علم السياسة، وبه أورد قولا منسوبا للرئيس الأمريكي جورج واشنطن في عام 1796، كال فيه انتقادا حادا للأحزاب السياسية، بكونها أتاحت الفرصة لرجال "مخادعين وطموحين وبلا مبادئ لتقويض سلطة الشعب". ما أشبه اليوم بالأمس إذن؟ وذهب التقرير في تحليله إلى القول: "منذ بضعة أشهر فقط طعن 147 عضوا جمهوريا بالكونغرس علنا في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة. لكن قبل ذلك بسنوات أيضا، أثار الكثير من الأمريكيين نفس المخاوف التي أعرب عنها جورج واشنطن. بعدما قد هبطت شعبية الأحزاب السياسية في الوقت الراهن إلى الحضيض"، وأن نسبة متزايدة من الناخبين الأمريكيين، تعادل 38 في المئة في عام 2018، ذكروا أنهم لا ينتمون لأي من الحزبين". ويذهب التقرير إلى أن الواقع في أوروبا ذاتها ليس بأحسن حال، مما يدل على أن عزوف الناخبين عن المؤسسات السياسية التقليدية في مختلف أنحاء العالم أضحت ظاهرة قائمة ولا يمكن القفز عليها، وبالتالي فكل بلد يحاول التفكير في طرق معالجتها، ولا بد للمغرب أن يسلك نفس المسلك، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بتغيير الآليات التي أفضت إلى هذا العزوف، ومنها استبدال الخطاب المستعمل، وتجاوز لغة الخشب، وقبول النقد مهما كان موجعا، والانكباب على مواجهة القضايا بدل الالتفاف عليها بخلق قضايا هامشية.