الأحد 17 أكتوبر 2021
خارج الحدود

فرنسا : مشهد سياسي غامض بعد انتكاسة الانتخابات المحلية

فرنسا : مشهد سياسي غامض بعد انتكاسة الانتخابات المحلية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبين
يكتنف المشهد السياسي الفرنسي حالة ارتباك وغموض قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية، غداة انتكاسة مدوية لأبرز المرشحين لدخول قصر الإليزيه، بعد خسائر مدوية مُنيت بها أحزابهم وعزوف قياسي للفرنسيين عن المشاركة في الانتخابات.
نزلت نتائج الانتخابات المحلية (الإقليمية) الفرنسية كالصاعقة على حزبي « الجمهورية إلى الأمام » حديث العهد، الذي ينتمى له الرئيس إيمانويل ماكرون، و «التجمع الوطني » اليميني الشعبوي بزعامة ماري لوبن والتي لم تتمكن من الفوز بأي جهة. فيما استحوذت الأحزاب التقليدية المحافظة واليسارية على هذه الانتخابات.
طعم الخسارة كان مريرا بالنسبة لمارين لوبين خصوصا وأن استطلاعات الرأي خلال الأشهر الأخيرة أكدت أنها باتت قاب قوس أو أدنى من قصر الإليزيه، غير أن حزبها خرج خاوي الوفاض من اقتراع وإن كان محليا، فقد يؤشر على أن الناخبين الفرنسيين بعيدين عن منح السلطة العليا في البلاد لليمين المتطرف.
الرئيس إيمانويل ماكرون يواجه موقفا مماثلا، إذ ازداد وضعه تعقيدا على بُعد أشهر من استحقاق رئاسي حاسم، يسعى من خلاله للفوز بولاية ثانية. المتحدث الرسمي باسم الحكومة غابريل أتال اعترف بأن نتائج الانتخابات أظهرت تراجع « الجمهورية إلى الأمام » وأنها كانت « مخيبة للآمال. وبهذا الصدد، كتبت صحيفة « باديشه تاغبلات » (28 يونيو 2021) معلقة « النظام الحزبي في فرنسا بات ركاما من الحطام المتهالك، ولا أحد يعرف في أي اتجاه ستتطور فيه السياسة في البلد المجاور. تحالفات الأحزاب التقليدية تتشكل فقط بهدف منع لوبين وحزبها اليميني المتطرف من الفوز. ثمن هذه المعادلة هو هشاشة مضمون البرامج. كما أن موضوع الهجرة تتم مناقشته بطريقة عاطفية للغاية، لكن الناس لم يعودوا يعتقدون أن الأحزاب قادرة على تقديم الحلول ».
وأضافت الصحيفة « شارك ناخب واحد فقط من كل ثلاثة ناخبين مؤهلين في الجولة الثانية من الانتخابات. لقد سئم المواطنون من الديمقراطية. تمامًا كما خاب أملهم من المعارك الأيديولوجية القديمة مثل الوعود الفارغة لطبقتهم السياسية. فمنذ حركة السترات الصفراء، وجد الرئيس إيمانويل ماكرون صعوبة في استعادة ثقة مواطنيه ».
عودة العالم القديم ـ الأحزاب التقليدية تحيا من جديد؟
سوقت الأحزاب التقليدية العتيدة سواء المحافظة أو اليسارية منها نجاحها في الانتخابات الإقليمية كمؤشر على تموقعها في السباق نحو الرئاسيات المقررة العام المقبل، رغم نسبة المشاركة الضعيفة، ما دعا المحللين إلى توخي الحذر بشأن تأويل نتائج زادت من غموض المشهد السياسي. صحيفة « لوفيغارو » الفرنسية المحافظة (28 يونيو) علقت على هذه النتائج وكتبت « لقد عاد العالم القديم! (…) والنتيجة هي أن لا شيء تغير. سبعة أقاليم للمحافظين وخمسة أقاليم لليسار. وسيواصل جميع شاغلي الوظائف السابقين عملهم كما في الماضي. فالامتناع الكبير عن التصويت علامة على اللامبالاة والغضب، وبات كل شيء ممكنًا الآن ».
اكتساح إيمانويل ماكرون وحزبه الحديث التأسيس لانتخابات عام 2017، كان بمثابة الزلزال السياسي، بعد أن استقطب برنامجه الوسطي الناخبين من كل حدب وصوب. فقد انهارت الأحزاب التقليدية حينها، في توجه أكدته مختلف استطلاعات الرأي حول نوايا الناخبين بشأن رئاسيات عام 2022. لذلك جاءت نتائج الانتخابات الإقليمية مخالفة للتوقعات، إذ تقاسمت الأحزاب اليمينية التقليدية (سبعة أقاليم) الفوز مع الأحزاب اليسارية القديمة (خمسة أقاليم) في وقت كان التركيز فيه منصبا على المواجهة المعلنة منذ أشهر بين ماكرون ومارين لوبن في الاستحقاق الرئاسي. غير أن انتكاسة حزبي المرشحين البارزين زادت من تعقيد المشهد وغموضه. ويرى مراقبون أن ما يعتبره البعض عودة للأحزاب التقليدية، قد لا ينعكس بالضرورة في استطلاعات الرأي لرئاسيات عام 2022. ذلك أن للانتخابات الإقليمية منطقها الخاص الذي يختلف عن المنطق الذي يحكم الانتخابات الرئاسية.
إنهاء « الشيطنة » ـ انتكاسة بتداعيات غامضة للوبين
عكس التوقعات لم تتمكن مارين لوبين وحزبها « التجمع الوطني » من الفوز بأي إقليم في هذه الانتخابات المحلية، فحتى مرشح الحزب تيري مارياني الذي كان متقدما في الجولة الأولى في إقليم بروفنس ألب كوت دازور الواقع جنوب البلاد، لم يحصل سوى على 42% من الأصوات. وفاز رينو موسلير المرشح المحافظ (وسط) بأكثر من 57% من الأصوات. فقد وحدت الأحزاب الديمقراطية قواها معا في ما يسمى « جبهة جمهورية » لمنع مارياني من الفوز.
المفارقة، هي أن الانتخابات أظهرت أن « التجمع الوطني » غير متجذر محليا، وفي الوقت ذاته تعد النتائج انتكاسة شخصية لماري لوبين التي ستواجه حزبها في مؤتمر يعقد خلال أسبوع لتوضيح المسار المستقبلي للحزب. وربما تواجه أسئلة بشأن استراتيجيتها المتعلقة بالتخلي عن بعض السياسات المتشددة فعلى سبيل المثال، لم تعد تصر على ضرورة الانسحاب من منطقة اليورو. صحيفة « نويه تسوريخه تسايتونغ » السويسرية (29 يونيو) كتبت أن « الأداء الضعيف لحزب لوبين أظهر حدود استراتيجيتها المتمثلة في »إنهاء الشيطنة » التي تلازم حزبها، فمن خلال نبذ لغة التحريض التي أساءت لسمعته في عهد والدها جان ماري لوبان. وقد سعت الابنة إلى استمالة ناخبين محافظين جدد. غير أن الشكوك ظلت قائمة بشأن ما إذا كان الحزب قد تغير بالفعل في جوهره أم لا، وقد تحسنت صورته بالفعل. وهكذا تراجع عدد الفرنسيين الذين يرون في حزب لوبين تهديدًا للديمقراطية. ومع ذلك، فمن خلال جعل موقفه أكثر اعتدالا، اقترب الحزب من المحافظين التقليديين، مع الاحتفاظ بموقف متشدد من قضايا الهجرة والأمن. مشكلة لوبين تكمن أيضا في كون أقلية من الفرنسيين فقط تعتبر أنها قادرة على الحكم ».
حسابات معقدة في أفق الانتخابات الرئاسية
انتكاسة حزبي ماكرونولوبين أعادت طرح حسابات الربح والخسارة في أفق الانتخابات الرئاسية. وكالة « أ.ف.ب » الفرنسية (21 يونيو)، أوردت تصريحا لستيفان زومستيغ خبير الانتخابات في معهد إيبسوس أكد فيه أنه « ليس واضحا » إذا ما كانت النتيجة « مطابقة لواقع البلاد » أم لا، مشيرا إلى أن « القسم الأكثر تمسكا بالشرعية من الناخبين الفرنسيين، وهو في غالب الأحيان أكثر تقدما في السن » هو الذي توجه إلى مراكز الاقتراع.
سيناريو عام 2017 الذي أوصل ماكرون إلى قصر الإليزيه قد يتكرر على الأرجح عام 2022، حسب توقعات استطلاعات الرأي، في وقت لا تزال الأحزاب التاريخية التقليدية غارقة في تناقضاتها والصراعات الشخصية لقادتها. غير أن استطلاعات الرأي هذه باتت موضوع جدل واسع بشأن دقتها ونجاعتها. موقع « تاغسشاو » التابع للقناة الألمانية الأولى (ARD) كتب (27 يونيو) معلقا « لم ينجح حزب لوبين، المعروف سابقًا باسم الجبهة الوطنية، في الفوز بأي إقليم في فرنسا. وكانت لوبين تسعى لتوظيف أي نجاح في الجنوب كنقطة انطلاق لحملة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في غضون عشرة أشهر ».
موقع « شبيغل أونلاين » (28 يونيو) كتب بهذا الصدد « فجأة بدا الأمر وكأن هذه الانتخابات ستزيد حدة الإثارة في المبارزة المتوقعة بين ماكرون ولوبين في أبريل  2022. من الناحية السياسية، يمكن للمحافظين في الواقع أن ينظروا إلى الوراء لتأمل عقد كارثي: في عام 2012 فقد نيكولا ساركوزي كرسي الرئاسة. وفي عام 2017، تعثر مرشحهم، فرانسوا فيون، بعدما تم الكشف عن دفعه لمئات الآلاف من اليوروهات لزوجته من أموال دافعي الضرائب مقابل وظائف وهمية. كما خسروا عام 2020 مدنًا مهمة مثل مرسيليا وبوردو لصالح اليسار والخضر ».
عزوف تاريخي ـ رسائل الناخبين للطبقة السياسية
في الدورة الأولى، امتنع أكثر من ثلثي الناخبين (66,72 بالمئة) عن التصويت، في نسبة قياسية منذ قيام الجمهورية الخامسة في 1958. فكيف يمكن تفسير مقاطعة الناخبين القياسية لهذه الانتخابات، وسط تخبط استطلاعات الرأي وعدم قدرتها توقع سلوك الناخبين في مشهد سياسي متقلب؟ وهل عاقب الناخبون ضعف العرض السياسي؟ أم حالة الطقس هي التي حالت دون تنقل الناخبين لمراكز الاقتراع؟ أم هي ظروف الخروج من جائحة كورونا؟ هذه مبررات يكررها الكثير من المحللين السياسيين، غير أنه لا يمكنها حجب عوامل بنيوية تفرز عزوفا متزايدا تجاه الانتخابات ككل. وبهذا الصدد كتبت صحيفة « نويه أوزنابروكه تسايتونغ » (28 يونيو) « في الواقع، على المرء أن يسأل نفسه عن مدى أهمية الانتخابات عندما لا يدلي سوى ثلث الناخبين بأصواتهم. هذا يدل على انزعاج وخيبة أمل تجاه النخبة السياسية. الرئيس ماكرون ليس بريئًا تماما فيما يحدث ».
ويمكن النظر إلى الامتناع عن التصويت بطرق مختلفة، الأولى تتعلق بالمناطق التي يعيش فيها مواطنون على الهامش سياسياً واجتماعياً، حيث يكون معدل العزوف أعلى تقليديا (فئة الشباب، الأشخاص ذوو المستويات التعليمية المتدنية أو العاطلون عن العمل) وكلهم فئات يئست من وعود الطبقة السياسية، ولم تعد تكلف نفسها حتى عناء الانتقال إلى مراكز الاقتراع.
الامتناع عن التصويت يمكن تفسيره أيضا كنوع من الاحتجاج والتعبير عن الغضب تجاه النخب السياسية. صحيفة « زودويتشه تسايتونغ » (18 يونيو) سألت الباحثة في شؤون الانتخابات آنه ماكسويل حول أسباب عزوف عدد كبير من الشباب في فرنسا عن المشاركة في الانتخابات. الخبيرة الألمانية ترى أنه يتم « التركيز فقط على موضوعات الأمن والجريمة والشرطة، لكنها موضوعات لا تخاطب الشباب، فهم مهتمون أكثر بقضايا مثل التغير المناخي ومكافحة العنصرية أو قضايا محلية مثل السياسة الجامعية والاندماج في عالم العمل ».
وأوضحت الباحثة أن الجيل الحالي من الشباب مُسيس للغاية، لكن معظمهم يفضلون أشكالًا أخرى من المشاركة السياسية كالمظاهرات والعرائض، وشبكات التواصل الاجتماعي، وبالتالي فإن التصويت ليس التعبير السياسي المُفضل لديهم، ومقاطعة مراكز الاقتراع بهذا المعنى، هو موقف تجاه السياسة والديمقراطية ككل، تقول الباحثة.