الثلاثاء 27 يوليو 2021
كتاب الرأي

عائشة العلوي: الناتو يعلن عن "مشروع دفاعي جديد مبتكر"

عائشة العلوي: الناتو يعلن عن "مشروع دفاعي جديد مبتكر" عائشة العلوي

أحدث الرئيس الأمريكي السابق سكتة قلبية للتحالف الأطلسي، مما دفع الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، بمحاولة إبراز عضلاتها، وعلى أنها قادرة على منح الانتعاش الضروري لهذا التحالف الذي كان السبب لتغيير مجرى العديد من الأحداث وأعاد رسم التوازنات الجيوالسياسية لعدة مناطق من العالم. بيد أن التحالف كان ينتظر قائده ليبدأ اللقاء بعبارة تلخص لما هو قادم: "أريد أن تعرف أوروبا كلها أن الولايات المتحدة هنا"، وأن "الناتو له أهمية حاسمة بالنسبة لنا". هذا التصريح من بين ما يخفيه أن أمريكا منزعجة من التنافس الصيني، الذي أصبح يكتسح جميع المجالات خاصة الرقمنة، الفضاء، الأسلحة، الأسطول البحري، وغيرها. وبالتالي، يهدد مصالحها الاستراتيجية في العديد من بقاع العالم خاصة آسيا وإفريقيا، دون نسيان التقارب الكبير بين الصين وأوروبا. تبدو الأمور إذن واضحة للمتتبعين/ات.

 

من جهة أخرى، تحالف الشمال لا يعطي للانزعاج والتخوف الأمريكي (وكذا الأوروبي)، الطابع التنافسي للصراع بين دول الشمال كطرف، وبين الصين وروسيا كطرف ثاني، وذلك بغية اقتسام خيرات الشعوب، بل يمنح لهذا الصراع طابعه الايديولوجي؛ أي يمنح لهذه الحرب الباردة طابع صراع بين الديموقراطية والشمولية. ليتم رفع شعار -مرة أخرى- الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية. إنه تمويه مكشوف لكل العارفين/ات بميكانزمات النظام العالمي.

 

وبما أن للصراع أولويات، فإنه لا يمكن فتح جميع الجبهات في نفس الوقت؛ لذا كان لابد لقادة تحالف الشمال من ضمان حياد روسيا (العدو السابق) وتهدئة الصراع بين فرنسا وتركيا، وتوضيح أولويات أخرى بينه وبين عدة أطراف أخرى. أكيد أن الأمر هذه المرة جد معقد ليس كما حدث في الصراع السابق مع الاتحاد السوفيتي، لأنه وباختصار العلاقات الاقتصادية جد متطورة بين الاتحاد الأوروبي والصين. فمن جهة، الأول لا يريد أن يتلقى صفعة أخرى كتلك التي تلقاها من الرئيس الأمريكي السابق. ومن جهة أخرى، الصين لا تسعى إلى نقل نموذجها للعالم، فهي تطور علاقتها مع الدول بشكل ثنائي تحت شعار رابح ـ رابح؛ فحتى مع الدول الإفريقية، تجدها تمنح القروض الضخمة أو المساعدات دون شروط تغيير البنيات الاقتصادية أو السياسية للبلد؛ تغير من تكتيكاتها حسب طبيعة البلد المعني بالقرض أو المساعدة. المنطق الذي يتحكم عند الصينيين هو الربح الاقتصادي على الأقل في الأمد القصير والمتوسط.

 

ما يثير الانتباه في اللقاء الأخير لناتو أنه تم الإعلان عن "مشروع دفاعي جديد مبتكر"، يتضمن خاصة الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة. أي أن الصراع سيكون من جهة رقميا، أو ما اصطلح عليه "الهجوم السيبراني/ Cyber-Attaques"، ومن جهة أخرى فضائيا. سلاح المعرفة والابتكار هما المتحكمان في مجرى التحالفات المستقبلية، وبالتالي في نتائج الصراع. أكيد أن المعرفة والابتكار سيغيران مجرى العديد من الأحداث في العالم وسيعيدان تغيير الأنظمة السياسية والاقتصادية، وكذا الاجتماعية. للأسف سلاح ينتجه القليل من الدول، وتبقى العديد من الدول خاصة دول القارة الافريقية خارح التطور وحتى إمكانية الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية أو فرض احترام نماذج أنظمتها الاقتصادية والسياسية. من المتوقع -حسب الوضع الحالي- ستنتهك سيادة دول الجنوب، وهذه المرة رقميا. فهل ستبقى افريقيا والدول العربية خارج التوازنات والصراعات، وأرض فقط للحروب والنزاعات الاقليمية والدولية؟ ألا يمكن أن تدخل إلى هذه الحرب الجديدة المعلنة بتحالفات تراعى فيها سيادتها ومصالحها الاستراتيجية؟ ألم يحن الأوان أن تغير من نمط اقتصاداتها الريعية خاصة أن التطور التكنولوجي يمكن أن يفاجئ العالم بالتخلي النهائي عن بعض الموارد الطاقية؟

 

بالطبع، ردت الصين بقوة على بيان حلف شمال الأطلسي، وهي لن تتوقف فقط عند الرد الكلامي. بل ستعمل على الانتصار واحترام مكانتها العالمية، بعدما أصبحت أول قوة اقتصادية في العالم؟... الصين تعلم جيدا أساليب أمريكا أو دول الشمال. يكفي أنها صنعت في أفلامها بطلا على شاكلة "رومبو" الذي بدوره يقوم بإنقاذ العالم. كما أن بعض دول الاتحاد الأوروبي لا تريد اتباع أمريكا كليا في مخططاتها خاصة وأن مصالحها سوف تعرف انهيارا كبيرا إذا ما فتحت الجبهة ضد الصين.

 

لم يكن الصراع في يوم من الأيام بين الخير والشر حتى تمثل دول تحالف الشمال الخير، وأنها تدافع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، ألم تنتج ديموقراطية الشمال التي سيطرت منفردة لأزيد من ثلاثين أو أربعين الفوارق الاجتماعية الشاسعة والتفقير لدول الجنوب؟ ألم تنتج سياستها سيطرة 1% من السكان على خيرات الكرة الأرضية؟ ألم تنتج المزيد من الحروب والنزاعات الإقليمية؟ هل هي فعلا الديموقراطية المنشودة لتحقيق العدالة الاجتماعية لمواطني العالم؟ هل فعلا حققت المساواة وقضت على التمييز العنصري؟ ألا تشهد أمريكا موجات متصاعدة من العنف العنصرة، وتم الإقرار ب 19 يونيو يوم عطلة على المستوى الفدرالي إحياءً لذكرى إعتاق آخر العبيد في تكساس (1865) بعد مرور 250 سنة، ورغم ذلك يبقى الاعتراف بالقتل الممنهج ضد الشعب الهندي في طي النسيان؟ أية ديموقراطية هذه التي لا زالت تتعامل مع قضايا الشعوب العادلة بازدواجية وانتقائية؟ ألم تتحول ديموقراطية الشمال إلى آلية لخدمة المصالح اللوبيات الاقتصادية والمالية والاحتكارات العالمية، وهي الآن تتحول لخدمة اللوبيات الرقمية والتكنولوجية، هل هذه هي الديموقراطية التي يمكن أن يطمح إليها العالم؟

 

لا يعني نقد ديموقراطية دول الشمال، أن نموذج الصيني هو الأمثل. لكن الهدف من هذا النقد هو توضيح أن الصراع ليس بين الديموقراطية والشمولية أو الديكتاتورية، بل هو صراع بين المصالح. وأمريكا منذ خطاب بوش قالتها بصريح العبارة: لا يجب أن يتضرر نمط العيش الأمريكي مهما كانت الأسباب. الصراع واضح والمستقبل غامض وغير محسوم. ما علينا فعله كشعوب دول الجنوب، هو الدفاع عن سيادتنا الوطنية وبناء تحالفات إقليمية وجهوية قوية وطويلة الأمد. لكن وقبل كل شيء، بناء قوة (اجتماعية واقتصادية وسياسية ودفاعية/ أمنية) داخلية... أعتقد أن الدولة لوحدها غير كافية لبلوغ هذا المبتغى دون مجتمع مدني وأحزاب سياسية قوية. فهذه الأخيرة لم يكن دورها فقط انتخابي وتقلد المناصب أو الصراع مع النظام السياسي، بل كانت القوة التي تجمع الحشد الدولي لنصرة قضايا الوطن العادل. أتساءل، كم من لقاءات وتواصلات دولية قامت بها الأحزاب السياسية المغربية للدفاع عن السيادة الوطنية لما تعرفه التطورات الأخيرة والخطيرة بين المغرب واسبانيا، وذلك بعيدا عن الفقاعات الاعلامية؟ فالمجتمع المدني قادر على أن يلعب دورا مهما في التعريف والدفاع عن مصالح المغرب، فيمكنه أن يفضح استمرارية العقلية الاستعمارية لإسبانيا وتأثيرات أفكار "كانوفاس ديل كاستيو" على يمينها وبعض ممن يحسبون على اليسار الإسباني.

 

يبقى السؤال العالق ويهم بيتنا الداخلي، ماذا يريد المغرب؟ هل فعلا يبحث على تعميق الديموقراطية، وخلق نموذج سيادي ديموقراطي؟ إن كان كذلك، لماذا لا يزال الخوف وعدم الثقة وهاجس الماضي يلاحق الحاضر والمستقبل؟

 

- عائشة العلوي، أستاذة جامعية ـ رئيسة مركز ديهيا لحقوق الإنسان والديموقراطية والتنمية