الاثنين 27 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

نوفل البعمري: ما بعد جلسة استماع لإبراهيم غالي !!

نوفل البعمري: ما بعد جلسة استماع لإبراهيم غالي !! نوفل البعمري

يوم الثلاثاء فاتح يونيو2021 القضاء الإسباني كان له موعد مع جلسة إستماع  للمدعو ابراهيم غالي الملقب بمحمد بن بطوش بتقنية عن بعد في موضوع الشكايات التي تقدمت في مواجهته أمام قاضي التحقيق بالمحكمة الوطنية الإسبانية بمدريد،الغرفة رقم 2، و هي الجلسة التي تم مواجهته فيها بشكايتين الأولى تقدمت بها الجمعية الصحراوية لحقوق الإنسان،و الثانية من طرف الناشط المدني بمخيمات تندوف الفاضل ابريك،كلاهما تتعلقان باتهامات خطيرة موجهة ضد ابراهيم غالي-محمد بن بطوش تتمحور حول جرائم تدخل ضمن خانة جرائم ضد الإنسانية،من تعذيب و احتجاز و اختطاف و قتل… دون نسيان شكاية الشابة الصحراوية التي تعرضت للإغتصاب الجنسي من طرفه عندما كان ممثلا لتنظيم البوليساريو بالجزائر، مع الإشارة إلى التحرك الذي تقوم به الجمعية الكنارية لضحايا الإرهاب التي تظم ضحايا إسبان ممن تم قتل أسرهم من طرف تنظيم البوليساريو و مليشياته و ابراهيم غالي يتحمل مسؤوليتها باعتباره قائد التنظيم يتحمل  بصفة شخصية المسؤولية السياسية و المعنوية لهذه الجرائم التي طالت صيادين إسبان و يطالب أسرهم بمحاكمة رموز هذا التنظيم و قد كانوا موضوع استقبال سابق من طرف ملك إسبانيا واستمع لشكواهم.

كل هذه القضايا تثير إشكالات حقيقية لن تقف عند البعد القانوني و القضائي للملف و قد كانت موضوع استنفار مغربي واسع من طرف من مختلف النشطاء خاصة على مستوى التواصل الاجتماعي، و كذلك من طرف الاحزاب السياسية التي اتخذت جلها مواقف إيجابية و قامت بتحركات قوية لدى الجانب الإسباني سواء لدى المعارضة الإسبانية ممثلة في الحزب الشعبي أو لدى بيدرو سانشيز زعيم الحزب العمالب الاشتراكي الإسباني و رئيس الحكومة الإسبانية المعني الأول بكل الأزمة السياسية التي حدثت بين المغرب و إسبانيا بسبب قبوله استقبال بن بطوش بالتراب الإسباني و تهريبه لداخلها في عملية أمنية و استخباراتية إسبانية جد فاشلة، و أظهرت بالمقابل حيوية التحرك الإستخباراتي المغربي الذي استطاع أن يعرف مكان ابراهيم غالي بمجرد دخوله للتراب الإسباني، و قد سجل هنا العديد من الباحثين الإسبان استغرابهم اعتقاد الحكومة الإسبانية أن الأجهزة الإستخباراتية المغربية  لن تستطيع كشف العملية نظرا لقوتها.

تنضاف لهذه التحركات الواسعة التحرك الدبلوماسي القوي،الهادئ و الصارم الذي قامت به الخارجية المغربية بحيث أدارت و مازالت تدير الملف بالكثير من الدهاء بحيث استطاعت أن تتحرك و تسجل نقط إيجابية لصالح المغرب و عرَّت بهدوء المخطط الذي كانت تعتزم الحكومة الإسبانية القيام به من خلال محاولة تهريبها لمحمد بن بطوش من القضاء الإسباني و توفير الغطاء السياسي تحت ذرائع إنسانية غير مقبولة، و مرفوضة،فعلى عكس ما تدعيه الحكومة الإسبانية لم يكن هناك أي تناقض بين قبول معالجته، و محاكمته  باعتباره مجرما متهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية و عرضه على المحاكمة مع احترام استقلالية السلطة القضائية و نزاهتها و عدم تأثرها بالقرار السياسي للحكومة الإسبانية التي تصرفت بشكل غير لائق مع المغرب و غير مُحترم للعلاقة و الشراكة التي يُفترض أنها تجمع البلدين و أول قاعدة فيها هي رعاية المصالح الحيوية للبلدين، و احترام حسن الجوار و العمل وفق ذلك.

الجلسة ستضع القضاء الإسباني في المحك،و في إمتحان حقيقي، إمتحان استقلاليته و استقلالية قراراته و نزاهته و عدم خضوعه للتعليمات السياسية للحكومة الإسبانية خاصة و أن هناك مطالب بسحب جواز سفر منه و منعه من  مغادرة التراب الإسباني لحين إنتهاء التحقيق معه و صدور القرار النهائي لقاضي التحقيق لأن خروج بن بطوش من التراب الإسباني يعني عدم عودته لإسبانيا و يعني مشاركة الحكومة الإسبانية في الجرائم التي ارتكبها في حق ضحايا من صحراويين و إسبان على الأقل من الجانب المعنوي لأنها ستكون قد تواطئت ضد الضحايا لحماية مجرم حرب ارتكب جرائم ضد الإنسانية،و كيفما سيكون قرار قاضي التحقيق، و وضع ابراهيم غالي بعد الإستماع إليه، و حتى و لو لم يعمل قاضي التحقيق على إصدار مذكرة إيقاف في حقه أو على الأقل منعه من مغادرة التراب الإسباني، و حتى لو سمحت الحكومة الإسبانية بمغادرته للتراب الإسباني بنفس الكيفية التي دخل بها، فالأكيد أن هناك متغيرات كثيرة ستحدث:

1- العلاقة المغربية الإسبانية مع هذه الحكومة الهشة،المفتقدة لأي سند برلماني و شعبي إسباني،سيكون من الصعب استمرارها بنفس الكيفية التي كانت عليها سابقا خاصة في الفترات التي قاد فيها حكماء الحزب العمالي الاشتراكي الإسباني للحكومة من بينهم ثباتيرو الذي خرج علنا و انتقد موقف حكومته،هذه العلاقة لن تعود كما كانت و لا يمكن أن تستمر بنفس التصور الذي كانت عليه، لأنها حكومة لم تحترم تعهداتها و لم تفي بالتزاماتها مع دولة تُعتبر شريكة من الناحية الاستراتيجية لها، و جل تحركاتها الدبلوماسية مؤخرا في المنطقة  تحركات تحاول التشويش على المغرب و مضايقته بدءا من ترسيمه لحدود مياهه الإقليمية بالجنوب المغربي،إلى فتح القنصليات بالداخلة و العيون،مرورا بالموقف الأمريكي الداعم لمغربية الصحراء وصولا لتهرب إسبانيا من إبداء مواقف واضحة إتجاه مغربية الصحراء رغم كل ما قام به المغرب دعما لوحدتها الوطنية و الترابية،لذلك فالعلاقة الدبلوماسية بين البلدين في ظل حكومة سانشيز هي في حكم القطيعة الغير المعلنة، و قد تكون معلنة و رسمية خاصة مع سحب السفيرة المغربية من مدريد في حال سمحت بهروب بن بطوش من القضاء الإسباني و عودته للجزائر البلد الحاضن له و المتورط نظامه بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني في هذه الجرائم الموجهة لابن بطوش.

2- قرار قاضي التحقيق الإسباني القاضي بعدم متابعته في حالة سراح،فإن مطالبة القاضي بتمكينه من عنوان و رقم هاتف قارين هو تقييد ضمني لحريته، بحيث أن أي محاولة للفرار من إسبانيا و تغييره لمحل إقامته هناك سيفسر قانونا بأنه إحلال بضمانات الحضور أمام المحكمة ،و خرقه لقرار المحكمة في انتظار قرار نهائي لقاضي التحقيق، و اذا كان القاضي لم يصدر بإجراء تدبير احترازي لتقييد حرية المجرم إبراهيم غالي فإنه كذلك ليس بالسوء القانوني الذي يمكن الذهاب إليه، لأن حركة المتهم ابراهيم غالي ستكون مضبوطة بهذه الأمر القضائي.

3- نزاع الصحراء ككل من الناحية السياسية سيصعب حتى و لو تم تعيين مبعوث جديد للمنطقة بعد تعثر تعيين كل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية الروماني الأسبق بيتري رومان بسبب رفض النظام الجزائري له، فإنه سيكون مستحيل إطلاق مبادرة سياسية أممية جديدة في ظل قيادة البوليساريو الحالية المطلوبة للعدالة الإسبانية و زعيمها دخل للتراب الاسباني كأي مجرم هارب في فضيحة دولية لهذا التنظيم المنتهي صلاحيته السياسية لولا الدعم الجزائري،إذ لن يكون هناك أي معنى مستقبلا الجلوس مع ممثلين لهذا التنظيم في جنيف أو القبول به ضمن أي عملية قد تؤيد الأمم المتحدة إطلاق ها مستقبلا، فهذا التنظيم ثبت من خلال الوقائع التي تمت أنه تنظيم مليشياتي،يتصرف بمنطق العصابات و قطاع الطرق، تنظيم قياداته كلها متهمة و مشاركة في جرائم ضد الإنسانية و جرائم حرب و اعتداءات جنسية ضد النساء،لذلك فالامم المتحدة قبل النغرب عليها أن تراجع تعاملها معهم، و اذا كان اتفاق وقف إطلاق النار قد تأسس على واقع الحرب التي عرفتها المنطقة في الثمانينات، فإن هذه الواقع قد تغير و بِتنا الآن أمام تنظيم لا يحمل أية شرعية أخلاقية أو سياسية بيكون متفاوضا أو ناطقا باسم الساكنة الصحراوية التي انتفضت عليه و التي أبدت غير ما مرة رغبتها في التحرر و في عودتها للوطن.

4- المغرب بعد هذه الواقعة و كيفما كان قرار قاضي التحقيق،يجب أن يطالب رسميا باستبعاد تنظيم البوليساريو من مخطط التسوية السياسية، و يتم تعويضه بالطرف الأساسي و الرئيسي في هذا النزاع، أن تدفع الأمم المتحدة بمفاوضات و ليس فقط مباحثات مع الدولة الجزائرية باعتبارها صاحبة النزاع،و المالكة لتنظيم البوليساريو و المتحكمة فيه و في قياداته التي تُعد من الآن خليفة لإبراهيم غالي الذي أصبح ورقة محروقة و تهيئ عمر الطالب مبعوث البوليساريو بالجزائر حيث يتم تدريبه و إعداده لخليفة بن بطوش، لذلك لا يمكن أن هناك أي تقدم سياسي بحضور تنظيم البوليساريو،بل من خلال إجبار الأمم المتحدة للنظام الجزائري ليتحمل مسؤوليته أمام المنظم الدولي و أمام الأمم المتحدة لينهي هذا النزاع و يرفع يده عنه، و ينهي معاناة الساكنة الصحراوية المقيمة و المحتجزة بالمخيمات.

المغرب أصبح اليوم بفعل اختياراته الاستراتيجية الدبلوماسية و السياسية المستندة على تنويع الشراكات، و الوفاء للأصدقاء و الصرامة مع من يقفون ضد مصالح البلد الحيوية، قويا و قادرا على اتخاذ المبادرة و تحركها بأفق دبلوماسي وطني واعد لا يتردد في قلب الطاولة بهدوء الدول الكبار على كل من يفكر و يريد المس بقضاياه الحيوية،أولها قضيته الوطنية الأولى قضية الصحراء المغربية.