الأحد 20 يونيو 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: "الوحدة الوطنية الموريتانية" هشة وقابلة للتفتيت

محمد بوبكري: "الوحدة الوطنية الموريتانية" هشة وقابلة للتفتيت محمد بوبكري
يُجمع المتتبعون على أن هناك توترا يسود العلاقات المغربية- الموريتانية، يتجلى ذلك في برود هذه العلاقات، وهو ما نجم عن وجود ملفات عالقة بينهما تغذي توتر علاقاتهما.  
ويرى مهتمون بالعلاقات بين هذين البلدين أن هذه الوضعية راجعة إلى كيفية تدبير السلطات الموريتانية لعلاقاتها مع كل من جنرالات الجزائر و"البوليساريو"، إذ يتعين على السلطات الموريتانية أن  تلتزم الحياد الإيجابي في صراع المغرب مع حكام الجزائر، لكنها في حالة انحيازها إلى جنرالات الجزائر، وانخراطها في مساندة سياسة هؤلاء الرامية إلى عزل المغرب عن عمقه الإفريقي وقطع جذوره الأفريقية، 
فإنها تكون هي الخاسر الأكبر. ويرى بعض المتتبعين لمجريات شمال أفريقيا أنه نظرا إلى قيم المغرب، فإنه لن يفرط في موريتانيا، لأنها جارته الجنوبية...
ويؤكد هؤلاء أنه سيكون صعبا على السلطات الموريتانية إقامة توازن بين علاقتها بالمغرب وعلاقتها بحكام الجزائر؛ فالمغرب غاضب من حكام موريتانيا، لاعترافها بما يسمى بـ "الجمهورية الصحراوية الديموقراطية" الوهمية، التي تؤكد فقط أوهام "البوليساريو" وجنرالات الجزائر. أضف إلى ذلك أن السلطات الموريتانية لا تمتلك أي ورقة ضغط على المغرب، باستثناء اعترافها بالكيان الوهمي السابق ذكره. لكن ذلك لا يطرح مشكلا كبيرا للمغرب، لأن موريتانيا ليست دولة موثرة. وبالمقابل، فإن المغرب يمتلك أوراق ضغط عديدة على حكام موريتانيا، يمكنه استعمالها ضدهم إذا استمروا في الانخراط في مخططات جنرالاتةالجزائر ضد المغرب.
وجدير بالذكر، أن العلاقات المغربية الموريتانية قد اتسمت بالتوتر قبل افتعال حكام الجزائر لمشكل الصحراء المغربية في سبعينيات القرن الماضي، لكنها تحسنت عندما اعترف بموريتانيا في بداية السبعينيات، كما أن السلطات الموريتانية قد اتخذت موقفا إيجابيا لصالح المغرب أثناء استرجاعه لصحرائه. وقد أدى هذا الموقف الإيجابي إلى تحضير حكام الجزائر، بتنسيق مع ضباط موريتانيين، لانقلاب عسكري أسقط نظام "المختار ولد دادة"، فحظي نظام العسكر الموريتاني بدعم نظام العسكر الجزائري، حيث أصيب الضباط الموريتانيون بالهلع من جنرالات الجزائريين، الذين اعتقدوا أن هؤلاء الجنرالات قادرون على الإطاحة بهم، إذا لم يستجيبوا لطلباتهم... وهذا ما أعاد التوتر من جديد إلى العلاقات المغربية- الموريتانية. 
وإذا كان حكام موريتانيا يعترفون بما يسمى بـ " كيان البوليساريو" الوهمي، ويعتقدون في الآن نفسه أن المجتمع الموريتاني منسجم، حيث هناك وحدة وطنبة، فإنهم يتوهمون أن مجتمعهم موحد ومنسجم، لكن هذا ليس سوى اعتقاد عار من الصحة، لأن  ما يسمى بـ " الوحدة  الوطنية الموريتانية" ليست  حقيقة، بل إن الواقع  يؤكد عكس ذلك، حيث إن  وجود حركة  "قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين  FLAN" يدحض  الأوهام المستبدة  بالسلطات الموريتانية... 
ففي سنة 1966 بدأ الحراك الزنجي الموريطاني في التعبير عن نفسه، بشكل خجول، كمكٓوِّن منفصل  عن بقية الشرائح الاجتماعية الموريتانية الأخرى. ونظرا إلى تكاثف جهود المثقفين  الزنوج الموريتانيين، فقد  استطاع هذا التيار أن يوحد جهود الزنوج الموريتانيين، الذين ينحدرون من قوميات أفريقية عديدة،  ضد عروبة موريتانيا التي رفضها هذا التيار في سنة 1973،   حيث اعترض على انتماء موريتانيا إلى الجامعة العربية. وفي سنة 1986 صدرت وثيقة سرية وزعت على نطاق واسع في مدينة "نواكشوط" تضمنت الإعلان رسميا عن تأسيس حركة "قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين"،   ما شكل فارقا كبيرا  في الحياة السياسية الموريتانية.   وبعد توالي الأحداث، اتهم "العرب الموريتانيون"، "الأفارقة الموريتانيين" بمحاولة انقلاب فاشلة ضد "العقيد معاوية ولد الطايع"، حيث قام النظام بتصفية الكثير من قيادات وأعضاء حركة "قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين"، ما دفع هؤلاء إلى مغادرة البلاد في اتجاه كل من "السينغال" و"مالي"، فقامت هذه الحركة برفع مطلب الانفصال عن موريتانيا، حيث طالبت بفصل مدن الجنوب الموريتاني عن السيادة الموريتانية. وقد أطلق الزنوج الموريتانيون على وثيقتهم التأسيسية اسم "الزنجي المضطهد"، يحتجون فيها على تهميشهم وإقصائهم، كما ضمنوها مطالبهم بإشراكهم في الحياة السياسية، وكل القطاعات الاقتصادية... ونتيجة الحماس الذي رافق مطالبة حركة " قوات تحرير "الأفارقة الموريتانيين" بانفصال مدن الجنوب الموريتانية عن موريتانيا، فقد انتشرت هذه الوثيقة على نطاق واسع في مدن جنوب موريتانيا، ونتجت عن ذلك اشتباكات بين الطلبة العرب الموريتانيين، والطلبة الأفارقة الموريتانيين، نتج عنها سقوط ضحايا وجرحى...
وجدير بالذكر أن هذه الحركة المناهضة للنظام العنصري الموريتاني والتي تطالب فصل مدن الجنوب الموريتاني، المطلة على نهر السينغال، عن موريتانيا، قد لقيت دعما في البداية من كل من السينغال ومالي  واحتضانا منهما، وبعد ذلك تحولت بوصلة هذه الحركة نحو باريس...  
وفي سنة 2007، قدم الرئيس محمد ولد الشيخ عبد الله اعتذارا للأفارقة الموريتانيين، وطلب منهم  العودة إلى الوطن. وفي سنة 2016، انخرطت هذه الحركة في الحوار الوطني، وعبرت عن استعدادها لخدمة الوطن، لكن توجس الحكومة العنصرية الموريتانية دفعت السلطات إلى ادعاء قيام الزنوج الموريتانيين بمحاولة انقلاب في سنة 2019، فتدخلت لقمع أعضاء هذه الحركة، بذريعة إحباط تمردهم، مدعية أن هذه الحركة نشرت أشرطة تحرض الأفارقة.
خلاصة القول، إن النظام الموريتاني عنصري ينحاز للعرب الموريتانيين على حساب الأفارقة الموريتانيين، ما جعله يضرب الوحدة الوطنية، التي لا يزال هذا الصراع يشكل خطرا عليها... 
لذلك، على حكام موريتانيا أن يعوا أن المغرب لم يسبق له أن استعمل هذا الصراع الداخلي الموريتاني ضد الدولة الموريتانية، لكن إذا استمر حكام هذا البلد في الانخراط في مخططات حكام الجزائر من أجل عزل المغرب عن عمقه الإفريقي عبر المس بوحدته الترابية، فإن المغرب سيجد نفسه ملزما بالتضامن مع الأفارقة الموريتانيين ضحايا عنصريتهم. كما أنه قادر على اللجوء إلى استعمال هذه الورقة دفاعا عن كيانه ضد انخراط حكام موريتانيا في مخططات جنرالات الجزائرالرامية إلى إلحاق الضرر بالمغرب وعزله عن عمقه الإفريقي...