الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

عمر المرابط: عساكر فرنسا التي تتفكك

عمر المرابط: عساكر فرنسا التي تتفكك عمر المرابط
عشرون جنرالا، أكثر من مائة ضابط كبير وأكثر من 1500 من الجنود بعضهم لا زال في الخدمة العسكرية، وجهوا رسالة مفتوحة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وللحكومة والبرلمانيين يحذرون فيها من التهديدات الكبيرة التي تتعرض لها الدولة الفرنسية وتجعلها في خطر كبير قد يصل إلى حد إشعال حرب أهلية.
رسالة مفتوحة على شكل عريضة بلغ عدد ممضيها لحد كتابة هذه السطور أكثر من 22 ألف من العسكريين، القضية أسالت الكثير من المداد ودفعت وزيرة الجيوش الفرنسية إلى الرد عليها والمطالبةبمعاقبة الممضينعليها التي لم تكشف مجلة "فالور اكتيال" اليمينية المتطرفة عن لائحتها الكاملة مكتفية بذكر أسماءالضباطالكبار من رتبة فريق فما فوق، وفعلا قام رئيس الأركان الفرنسي باتخاذ بعض الإجراءات العقابية والتأديبية فيحق من سماهم البعض بالمتمردين.
لا تهمنا الإجراءات العقابية ، بقدر ما يهمنا هذا التحول الكبير الذي تعرفه فرنسا، وصل حد التهديد بعملية انقلابية عسكرية اختير لها تاريخ 21 أبريل ، وهو تاريخ له دلالة ومعنى في مذكرة الشعب الفرنسي وفي تاريخ فرنسا الحديث، فهو يرمز إلى تاريخ المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الرئيس الفرنسي السابق الجنرال شارل ديجول سنة 1961 بعدما اتهمه خمسة من كبار الجنرالات بالتخلي عن الجزائر الفرنسية، فشلت المحاولة العسكرية التي كانت تروم الحفاظ على الجزائر فرنسية، لكن مرتكبيها لم يفشلوا في توريث عقيدتهم العسكرية الاستعمارية العنصرية والتي تظهر في أبهى تجلياتها مع هذا البيان الذي صفق له اليمين المتطرف، وزكاه زهاء 58% من الفرنسيين.
التمترس وراء حب الوطن والدفاع عنه هو سر هذا التأييد الكبير الذي حظيت به هذه الرسالة في أوساط المواطنين الفرنسيين، فالرسالة افتتحت بهذه الجملة : "الوقت خطير، وفرنسا على مشارف الهاويةتهددها العديد من المخاطر القاتلة، ونحن، حتى في مرحلة التقاعد، لا نستطيع، في ظل الظروف الراهنة ، أن نظل غير مبالين بمصير بلدنا الجميل"، ولا يمكن لأي وطني حر يحب بلده ويقرأها إلا أن يؤيد محتواها ويهب للدفاع عن بلده في مواجهة الخطر، أي خطر كان.
قد يشك المواطن الفرنسي العادي في كلام السياسيين، لكنه لا يمكن له أن يشك في صدق حماة الوطن خاصة في بلد ديمقراطي عريق، اعتاد سكانه على ثقافة ديمقراطية تجعل العسكر بعيدا عنالسياسة إلا في الحالات الاستثنائية، وبعيدا عن الحكم إلا في ظرف الطوارئ الكبرى، ومن ثمة ولتبرير خروجهم المفاجئ هذا ولجوئهم إلى الإعلام، وعدم احترامهم لواجب التحفظ الذي يلزمهم بعدم الخوض في الأمور السياسية بالوضع المزري للبلد، متهمين حكام فرنسا الحاليين بالتهاون في حماية فرنسا من الخطر المحدق الذي بات على الأبواب، قدّم العسكر توصيفا غير دقيق، لا يعكس الحقيقة بقدر ما يعكس تخوفات مبنية على منطق صراع الحضارات، ومخاوف تظهر إيمانهم بنظرية الاستبدال الكبير، وقربهم من أوساط اليمين المتطرف.
من خلال قراءتنا للرسالة، يظهر وكأن فرنسا تحولت إلى كانتونات ذات استقلال ذاتي ترفض القانون الفرنسي، وفي طور الانفصالية عن الجمهورية، وتقترب من إعلان تطبيق الشريعة، وهي مغالطة كبرى، فالضواحي وهذه الأحياء تعاني أكثر ما تعاني من الفقر والتهميش، تعاني من انتشار المخدرات والجريمة المنظمة، تعاني من اليأس والقنوط، تعاني من معضلات اجتماعية جمة، ومشاكل نفسية تدفع بالعديد من الشباب إلى اختيار الانتحار بطريقة بطولية، وهي طريقة القتل والإرهاب فيموت الرجل حسب قناعته وتصوره على منصة الشهادة والبطولة، بينما هو في الحقيقة مجرم سفاح جبان، لم يستطع مواجهة الحياة فهرب بطريقة نذلة خبيثة، تجر الويلات على بني جلدته وعقيدته.
يغذى هذا التطرف علاوة على الجهل المركب والفقر واليأس،من قبل مواقف الإعلام المتحامل وانتهازية الساسة الشعوبيين التي ترد كل أسباب مشاكل فرنسا إلى هؤلاء الشباب، وصل حد التنديد بقرار قضائي والتظاهر للمطالبة بإعادة محاكمة رجل أسود البشرة مسلم الديانة،أكدت كل نتائج الخبرات الطبية النفسية مشاكله النفسية نظرا لتعاطيه الكبير للمخدرات، فحكمت المحكمة بعدم مسؤوليته جنائياً عن قتل امرأة يهودية ، وإيداعه مركزا صحيا للطب النفسي، فثارت ثائرة البعض وشككوا في نزاهة القضاء ووإعطائه رخصة لقتل اليهود ، دفعت فرانسوا مولينز نفسه، وهوالنائب العام في محكمة النقض المكلف بالقضايا الإرهابية للتخلي عن واجب التحفظ لينفي تهمة "تراخي العدالة أمام الإرهاب"، والدفاع عن قرار المحكمة.
ترفض الرسالة كل تنديد بالعنصرية وكل دراسة حول الكولونيالية وحقبة الاستعمار الفرنسي، وترفض كل مراجعة لهذا التاريخ أو أي نوع من الاعتذار ولو كان أكاديميا، وتعتبرهذا نوعا من تحقير لفرنسا وثقافتها وتقاليدها، وعدم احترام لتاريخها العظيم وتهجم على الأمجاد.
هل ستخضع فرنسا لمطالب هؤلاء القادة الذين يرفضون علانية منطق الحكمة والتبصر، ويطالبون بتعويضها بمنطق المواجهة، وبالتحليبالشجاعة والحزم وعدمالتهاون في أخذ الأمور بجدية أكثر، كما يطالبون بالتسريع بأخذ الإجراءات وعدم التسويف وإلا فإن الحرب الأهلية ستضع حدا لهذه الفوضى المتنامية ، حسب قولهم محتجين بالمقولة التي تقول: "عندما يكون الحذر في أيمكان،تغيب الشجاعة من كل مكانQuand la prudence est partout, le courage n’est nulle part.".
ماذا دهى فرنسا وفي أي مسار تسير وأي طريق تسلك؟هل تتفككحقا وهل حضارتها في أفول؟ هل أخذت المنحدر الذي سيمضي بها إلى الهاوية؟أسئلة لا يمكن للمتابع إلا أن يطرحها وهو يلاحظ ما يقع من انجراف حاد في اتجاه قد يصل بفرنسا فعلا إلى ما تخشاه الرسالة، لا لأنها وضعت الأصبع على الجرح بل لأنها تزيد من تأزيم الوضع السياسي الفرنسي المترهل وتزيده شعبوية وعنصرية وعنجهية ، والذي يعيش أسوأ أيامه منذ الحرب العالمية الثانية، فكل الأحزاب التقليدية انهارت، والزعامات افتقدت، والشخصيات القوية غابت، ولم يبق في المشهد السياسي للوصول إلى سدة الرئاسة إلا امرأة عنصرية تستثمر في الكراهية والعنصرية ومحاربة المهاجرين، في مواجهة رئيس متلونتلون قوس قزح.