الأحد 20 يونيو 2021
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي: الحكامة الأمنية صمام أمان الاستقرار بالمغرب

عبد السلام المساوي: الحكامة الأمنية صمام أمان الاستقرار بالمغرب عبد السلام المساوي

1- الحكامة الأمنية واحدة من ثمرات المسار الإصلاحي المغربي

التدبير الأمني ( أو الحكامة الأمنية ) للبلاد اصطبغ بالمفهوم الجديد للسلطة حتى أضحى من روافده ومن مؤشراته ومن تجسيداته ، المفهوم الجديد للسلطة ، مشحون بطاقات الاختيار الديمقراطي ، الذي سيتحول في الدستور الحالي الذي أجمعت عليه كل فعاليات البلاد إلى رافعة إستراتيجية ، مبدئية ثابتة وموجهة لتدبير المشترك الوطني للمغاربة .

إن الوقائع تكاد لا تنقطع يوميا عن إثبات أهمية الحكامة الأمنية ببلادنا ونجاعتها وضرورتها ، فهي واحدة من ثمرات المسار الاصلاحي المغربي ، مسار سرع من حركيته وعمق نوعيته خطاب 9 مارس 2011.

إن الأجهزة الأمنية اندمجت في الديناميكية المغربية المعاشة منذ تحمل الملك محمد السادس الحكم.

إن أجهزة الأمن هي غير ما كانت عليه قبل قرابة 25 سنة من اليوم ، تلك الأجهزة التي عبرت جلسات وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وقد تخلصت من جلدها الذي لفها سنوات الجمر والرصاص حقنها العهد الجديد بالمفهوم الجديد للسلطة ، وجهها الملك محمد السادس ، في سياق إستراتيجيته المجددة لروافع ودوافع النظام السياسي ، نحو مواكبة المسار الديمقراطي والتنموي المغربي .

تلك المهمة حاولت قيادات أمنية من العهد السابق القيام بها ولكنها لم تفلح ؛ الأمر تعلق بمصالحة الأجهزة مع مجتمعها وتيسير إشراكها في منجز التطلعات الديمقراطية الجديدة والنوعية وأيضا بتطويرها وتنمية ثقتها في ذاتها.

المهمة تحملتها وباقتدار نخبة من رجال العهد الجديد؛ السياق يستدعي أن نذكر منهم محمد ياسين منصوري في مدير عام " لادجيد" الشرقي أضريس مدير عام الإدارة العامة للأمن الوطني، آنذاك ، وعبد اللطيف الحموشي آنذاك مدير عام " الديستي " وحاليا مديرا ايضا لإدارة الأمن الوطني . لقد توفر لتلك الأجهزة من هم مهيئون لبلورة الإرادة الملكية في تجديدها.

لقد أضحى اليوم المنجز الأمني فاعلا داخليا في صيانة الاستقرار وفي مساحات تأمين التدافع الديمقراطي وفي التشجيع على تنمية الاستثمار الداخلي والأجنبي في البلد، وفي نفس الآن باتت القدرات الأمنية المغربية مؤثرة في مآل علاقاتنا الخارجية ، بارزة ( إذا لم تكن حاسمة ) في تبادل المنافع بيننا وبين دول من نوع فرنسا، اسبانيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، دول الخليج العربي،.....

وإن الحاجة إلى المساهمة الوطنية مع الأجهزة الأمنية في القيام بمهامها ، تمليها تعدد أنواع ومصادر الأخطار الأمنية وهي المتفاعلة مع الخطر الإرهابي بشكل مباشر أو غير مباشر .

إن الفعالية الأمنية تستدعي يقظة شمولية تراعي مولدات وتداخل الانحرافات والنزوعات الإجرامية ؛ تلك المتصلة بالطبيعة الإنسانية او الناجمة عن الكيمياء الاجتماعية، أو ذات المنشأ التصفوي السياسي والإيديولوجي الموجه عن بعد ، من خارج ثوابت تاريخ المغرب ومن خارج مميزات جغرافيته الطبيعية والإنسانية.

التحديات اليومية أمام بعد التدبير الأمني للشأن العام الوطني هي المتصلة بتأمين شروط الممارسة الفردية والجماعية للحريات وللحقوق بكل أشكالها ( سياسية، اقتصادية، اجتماعية )، وقبل كل ذلك وبعده ومن أجل ذلك ...تمنيع الوطن، وهو المجال الحيوي لحياة المغاربة ؛ حياة يطمحون إلى تجويدها في وطن يتوسلون بالديمقراطية صيانة تقدمه، أمانه، وحدته وكرامته.

2- لا نظام بدون حريات ولا دولة بدون أمن يحميها ضد المخاطر الداخلية والخارجية.

للأسف ابتلينا بشلة من المعارضين والحقوقيين والصحافيين عشاق التضليل الإعلامي والاستقراء بالخارج، من هؤلاء الذين كلما داس لهم أحد على مصلحة ذاتية أو وجدوا أنفسهم تحت المتابعة القضائية بسبب فضائح أخلاقية ومالية صرخوا قائلين : سنشكوكم لأمريكا وسنفضحكم في أوروبا، وسنؤلب عليكم هيئات حقوق الإنسان وكأنهم يتكلمون عن بلد لا يحملون جنسيته وكأنهم لا تربطهم أي علاقة بوطنهم . مثل هؤلاء الذين يفرحون ببيان من مؤسسة حقوقية ينتقد بلدنا أو يطعن في مؤسسات الدولة المغربية، أو الذين يهللون لعناوين الصحف الأجنبية التي تتنبأ بخراب المغرب مستقبلا، هم في حاجة إلى جلسات فورية للعلاج النفسي من داء الحقد، هم في حاجة إلى التمييز بين مسار المعارضة المطلوبة في أي نظام سياسي من أجل تجويد أدائه، ومسار هجومهم على الوطن ذاته فقط لأن مصالحهم المادية والمالية تعرضت للمساءلة والمحاسبة.

نقولها وبدون مواربة ، الدولة موجودة والحريات مضمونة والحاجة إلى توسيعها مطلوبة لكن ليست هناك علاقة خصومة بين الأمن والمواطن كما يحاول البعض إيهامنا، ولن نقبل أن يتم ضرب المؤسسة الأمنية وعزلها عن المجتمع وتحميلها خيبات السياسيين والحقوقيين، فلا نظام بدون حريات ولا دولة بدون امن يحميها ضد المخاطر الداخلية والخارجية، والأمن بضمانات الملك محمد السادس في خدمة الدولة وحماية المؤسسات لا في خدمة أي جهة سياسية ولا يهدف لتحقيق أجندة سياسية، وكل محاولات اقحام المؤسسة الأمنية في معركة سياسية لا تعدو أن تكون تضليلا وتدليسا لحجب فضائح أخلاقية .المغرب قرر لنفسه مسارا خاصا واستثنائيا ومتفردا، ولن يضيع فرصة واحدة لإثبات هذا التفرد وسط عديد النماذج المتهالكة التي تحيط بنا والتي تحاول تقديم نفسها لنا باعتبارها ضرورية الاحتذاء...

المغرب، عبر تاريخه العريق، لم يقلد بلدا ولا أحدا ، كان نسيج وحده ، وسيظل هكذا ، لذلك يستطيع دوما أن يبهر حتى العاجزين عن الانبهار ، ولذلك يستطيع كل مرة أن يقدم لمن يريدون أن يلقنوه الدروس دروسا مضادة يتلقونها صفعات على الخد الأيمن ولا يستطيعون تقديم الخد الأيسر إلا حين الضرورة والاحتياج لذلك فعلا ...

المغرب تخلص من عقدة الخوف من منظمات تدعي الدفاع عن حرية الصحافة والإعلام، ومن منظمات تدعي أنها صنعت للدفاع عن حقوق الإنسان ...

المغرب تخلص من عقدة الخوف من هاته المنظمات الكاذبة منذ سنوات عديدة ، بعد أن اقتنع وامن بأن إقناع ذوي النيات السيئة بنيتك الحسنة أمر مستحيل ، وأن هاته الهيئات التي تدعي أنها حقوقية أو تهتم بحرية الإعلام هي عبارة عن " شركات " هدفها الربح المادي أو المعنوي ...

يكفينا هنا في المغرب أن نواصل على المنوال ذاته من الإيمان بحقنا في العيش الكريم ، وفي إصلاح أخطائنا ، وما على المستقوين علينا بالأجنبي ، إلا أن يواصلوا هذا الاستقواء، فقد أسمى أجدادنا من كان يضع يده في يد المعمرين قديما " الخونة "، ولن نشذ عن هاته القاعدة التي ورثناها عن الأجداد الذين حرروا البلاد ، ولن نغير سنة الله التي لن نجد لها تبديلا ....

اليوم صدق المغاربة والمغربيات، اليوم، تحققت نبوءات من سكنهم المغرب قبل أن يسكنوه . اليوم الكل يقول شكرا جلالة الملك.

هو المغرب الذي يسري في العروق مسرى الدماء . وحين العروق وحين الدماء لا يمكنك ان تكذب أو تنافق او تكتب تحت الطلب مثلما يدعي الكئيبون، حين الحب الحقيقي لا يمكنك التمثيل، ويشهد الله اليوم أننا جميعا نحس بها هاته الأيام : المغاربة لا يمثلون حين حب المغرب ، هم يحبونه وانتهى الكلام...لا عقد لنا مع التاريخ ، فالتاريخ ملكنا، ولا عقد لنا مع الجغرافيا فهي الأخرى منحتنا ترف الانتماء لأفضل وأشرف وأرفع مكان يوجد على سطح هاته البسيطة وهو المكان الذي يسمى المغرب.

لا نصفي عقدنا لا مع التاريخ، ولا مع الجغرافيا، ولا مع الالتباسات الأخرى الموجودة في الأذهان الصغيرة، بكل بساطة لأننا لا نعاني من أي عقد. نواصل النضال الحقيقي، اليومي، الشاق، الذي يقوم به المغاربة كلهم دونما خطب ودونما شعارات، لأجل أن يكون لهذا المغرب صوته الذي يستحقه ، ومكانته التي يستحقها ورفعته التي هو قمين بها، وسطوته التي هو جدير بها وأكثر.

نبني البلد مع ملك البلاد، ومع الحقيقيين الذين يؤمنون بالبلد ...أن الانتماء الأول والأخير هو للوطن ....

نقولها بالصوت المغربي الواحد ...لنا نحن هذا الوطن الواحد والوحيد، وهاته البلاد التي ولدتنا وصنعتنا وصنعت كل ملمح من ملامحنا، والتي تجري فيها دماء أجدادنا وآبائنا وأمهاتنا، والتي تجري دماؤها في مسامنا وفي العروق.

نفخر بهذا الأمر أيما افتخار، ونكتفي أننا لا ندين بالولاء إلا للمغرب . وهذه لوحدها تكفينا، اليوم، وغدا في باقي الأيام، إلى أن تنتهي كل الأيام ....

لا بد من الانطلاق من كون الأمر يتعلق بوطن . والوطن هنا ليس مجرد رقعة جغرافية لتجمع سكني، بقدر ما يعني انتماء لهوية ولحضارة ولتاريخ . والمرحلة تاريخية سيكون لها ما بعدها. سواء بنجاح ينخرط فيه الجميع، أو بتفويت، لا قدر الله، لمناسبة زمنية سيحاسب فيه الجميع في المستقبل القادم.

هو المغرب الذي نريده والذي نرغب في أن يقوم على قيم واضحة للجميع انطلاقا من مجتمع الديمقراطية وحقوق الإنسان. ديمقراطية تنتفي فيها القبلية والدموية والمحسوبية والبيروقراطية القاتلة ، ويحتكم الناس إلى القانون . ديمقراطية تكون فيها القوانين مسايرة لتطور المجتمع ولتطورات العصر. وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا انطلاقا من المرجعيات الدولية الموجودة في هذا الصدد .

المغرب الذي نريده؛ دولة المؤسسات ودولة الديمقراطية التشاركية، لكن انطلاقا من قيم الديمقراطية كما هي معروفة ، وليس ديمقراطية صناديق الاقتراع الشعبوية ( توظيف الدين والمال ).

المغرب الذي نريد؛ يعيش فيه الناس باختلاف وتسامح وبحقوق مضمونة . لكن أيضا بتنمية تحقق للمغرب مكانته الوطنية والإقليمية والدولية.