الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
اقتصاد

المثلث السككي وقنطرة مولاي سليمان بالبيضاء.. "مرآة" جيل جديد من الأوراش السككية

المثلث السككي وقنطرة مولاي سليمان بالبيضاء.. "مرآة" جيل جديد من الأوراش السككية أطر المكتب الوطني بالمثلث السككي بروش نوار وهم من اليمين: مصطفى رمزي، أحمد بوحلتيت واسماعيل الخطاب ومشهدان من الأشغال بقنطرة مولاي سليمان

ستبقى ليلة 16-17 أبريل 2021 محفورة في ذاكرة المهندسين والمختصين في السكك الحديدية وفي التهيئة الحضرية واللوجستيك، بالنظر إلى أن المغرب حبس أنفاسه في تلك الليلة خوفا من أن يتم تقطيع الشريان الحيوي الذي تعبر منه 90 في المائة من المسافرين والسلع عبر السكك الحديدية.

 

ففي ليلة 16-17 أبريل 2017 كانت رادارات المكتب الوطني للسكك الحديدية ووزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني مصوبة نحو شارع مولاي سليمان بالدار البيضاء الذي يعد أحد أهم المحاور الطرقية بالعاصمة الاقتصادية بحكم صبيب المرور المرتفع جدا الذي يشهده (تعبر الشارع حوالي 120 ألف عربة يوميا) جزء كبير منها يخص شاحنات النقل الطويلة المتجهة من ميناء البيضاء نحو باقي المدن شمال وشرق المملكة.

 

في تلك الليلة تم إيقاف حركة التنقل من وإلى قنطرة مولاي سليمان بتراب عمالة عين السبع، بتنسيق مع مصالح العمالة والأمن الوطني، ليتسنى لمهندسي المكتب الوطني للسكك الحديدية تغيير القنطرة الحديدية القديمة وتعويضها بقنطرة حديدية جديدة بطول 60 مترا وعرض 7 أمتار.

 

القنطرة الحديدية الجديدة بشارع مولاي سليمان ذات حمولة تصل إلى 300 طن، وهي من القناطر المنتمية للجيل الجديد، إذ تم تهيئتها وإعدادها من طرف شركة مغربية ببوزنيقة وتم نقلها ليلة  16-17 أبريل لتثبيتها بدون أن تعرقل حركة المرور.

 

ورغم أن المغرب يضم 10787 قنطرة ومنشأة فنية، فإن احتفاء أطر ومهندسي المكتب الوطني للسكك الحديدية بمولودهم الجديد "قنطرة مولاي سليمان" يجد شرعيته ليس في الغلاف الذي رصد لإنجازها (10 مليون درهم )، بل في كون قنطرة مولاي سليمان توجت إتمام إحدى أهم الطفرات التقنية واللوجستيكية ببلادنا. ألا وهي إعادة تهيئة وتجويد المثلث السككي بالدار البيضاء الممتد من محطة القطار الميناء إلى عين السبع مرورا بمحطة المسافرين. هذا المثلث السككي يعد القلب النابض للحركة الاقتصادية (سلعا ومسافرين) بالمملكة. إلا أن تنامي الحركة في السنوات الأخيرة أفرز إشباعا في المثلث السككي وتولدت مشاكل في تدبير المخاطر والانتظارات والطموحات كذلك، لأن حركة المسافرين ما فتئت تعرف ارتفاعا صاروخيا بجهة البيضاء: 24 مليون مسافر سنويا ومرور 132 قطار مكوكي سريع و42 قطار الأطلسي يوميا، فضلا عن مرور 28 قطار فائق السرعة "البراق" كل يوم. أما من حيث البضائع فالمثلث يشهد مرور  40 قطار شحن يوميا تنقل كل سنة حوالي 13 مليون طن من السلع (فوسفاط، حبوب، سكر، سيارات، حاويات، إلخ...). ومما زاد من إلحاحية حل مشكل المثلث السككي أن المغرب لما اختار تمكين مدن الواجهة الأطلسية بقطار فائق السرعة "تي جيفي" واكب ذلك تثليث الخط السككي من البيضاء إلى القنيطرة، وكان لابد من إيجاد حل مستعجل ودائم لتخفيف الضغط على المثلث السككي (Desaturation du triangle) بميناء البيضاء. لأن المشكل هو الربط بين المحطات السككية؛ إذ لم يكن يوجد سوى خطين بعين السبع ثم ملتقى  Croisementبين محطة المسافرين ومحطة الميناء ومحطة عين السبع. هذا الوضع كان يفرض على القطارات التوقف في انتظار مرور قطار آخر.

 

ما العمل إذن؟

ضيق الهامش العقاري المتاح (غياب وعاء لتوسيع البنية السككية فضلا عن محاصرة المثلث بالعمارات أو الساحل الأطلسي) قاد مهندسي المكتب الوطني إلى ابتكار مونطاج تقني يروم توسيع الشبكة السككية على نفس الوعاء العقاري الموجود.

 

 

وهكذا تقرر خلق 6 سكك بمحطة عين السبع إلى الميناء ومحطة المسافرين (كانت 3 فقط) لضمان انسيابية التنقل بيسر وأمان وبمردودية أكثر. وتمت إعادة تجديد بنية محطة المسافرين التي كانت تضم ست سكك منها (4 للمسافرين)، فأصبحت اليوم مجهزة ب10 سكك تنضاف لها 3 سكك لقطار البراق (أي بالمجموع أصبحت المحطة تضم 13 خطا سككيا، بمعنى تمت مضاعفة طاقة محطة المسافرين بثلاث مرات). ليس هذا وحسب بل حتى الرصيف تم توسيعه من 250 متر إلى 400 متر بشكل يسمح باستقبال قطارات أطول وبالتالي نقل مسافرين أكثر.

 

وعلى مستوى محطة الميناء فالمحطة القديمة كانت تضم 4 سكك فقط، بينما اليوم أضحت تضم 8 سكك للمسافرين و3 سكك للاحتياط (أي قطارات خاصة بالمطار وبالجديدة).

 

أضف إلى ذلك وجود محطة روش نوار الخاصة بالبضائع التي تعد الشريان الرئيسي للميناء ( المحطة معروفة عند ذوي الاختصاص بالنقطة الكيلومترية 5، أي PK5)، وهي محطة مرتبطة كذلك بالمنصة اللوجستيكية بشارع مولاي اسماعيل).

 

هذا المعمار الهندسي المذهل الذي أنجزه أطر المكتب الوطني للسكك الحديدية (بكلفة قاربت 100 مليار سنتيم) كان يحتاج إلى لمسة أو بصمة ليكتمل مشروع التهيئة وتكتمل معها نشوة الاعتزاز بإنجاز بنية سككية مغربية مائة في المائة فكرا وتصورا وإعدادا وتصميما وترجمة على أرض الواقع. في هذا الإطار يندرج إعداد قنطرة شارع مولاي سليمان لرفع القدرة الاستيعابية لهذا المثلث السككي بالبيضاء وبالتالي رفع وتيرة كل القطارات (مسافرين وبضائع) المتجهة نحو باقي التراب الوطني.

 

القنطرة تضم سبعة خطوط من السكك: خط واحد مخصص الربط بين محطة الصخور السوداء للبضائع والميناء والمحطة اللوجستيكية زناتة، و4 خطوط لقطارات المسافرين في اتجاه الميناء - عين السبع والميناء - محطة المسافرين.

 

أما الخطين المتبقين فمخصصين لنقل البضائع بين الميناء ومنصة اللوجستيك بشارع مولاي اسماعيل من جهة، وربط الميناء بالوحدات الصناعية الموجودة قرب المثلث السككي التي تتزود بالسلع عبر القطار.

 

يحق لأطر المكتب الوطني للسكك الحديدية أن ينتشوا بهذه الإشراقة التقنية التي تحققت، ليس لأنها نزعت فتيل قنبلة اسمها اختناق وإشباع المثلث السككي فحسب، بل لأن المغرب بدأ يجني ثمار هذا المجهود مباشرة.

 

اذهبوا إلى النقطة الكيلومترية رقم 5، وسترون أكبر مخزن يبنى بإفريقيا تنهض أساساته قرب خط السكك الحديدية حيث تبني شركة كوزيمار مستودعا ضخما بطاقة 400 ألف طن لتخزين مادة السكر الخام المحملة بواسطة القطار.

 

تجولوا على طول المثلث السككي وستقفون على ميلاد ست وحدات صناعية جديدة لمستثمرين اختاروا الاستقرار بهذا المحور الاستراتيجي ليتسلموا مباشرة بضائعهم من الميناء إلى وحداتهم الإنتاجية عبر القطار.

 

اسألوا فيدرالية أرباب النقل بالشاحنات بالمغرب الذين بدأوا يستعدون لأخذ قنطرة مولاي سليمان كنموذج للترافع للمطالبة بقناطر أعلى بحكم أن قنطرة مولاي سليمان اليوم تم رفع علوها بإضافة حوالي نصف متر بشكل يسمح بمرور شاحنات أعلى على غرار ما هو معمول به بدول غربية أو بالبرازيل مثلا.