الثلاثاء 11 مايو 2021
كتاب الرأي

سناء زهيد: تأجيل الانتقال الديمقراطي

سناء زهيد: تأجيل الانتقال الديمقراطي سناء زهيد
شهدت قبة البرلمان يوم الجمعة السوداء 05 مارس 2021 تمرينا تشريعيا جديدا، اختلطت فيه قواعد الديمقراطية بالمصالح الضيقة للأحزاب، وتصارع فيه منطق الغنيمة مع منطق البناء الديمقراطي. فكان الغائب الأكبر في كل هذا هو مصلحة الوطن وهموم المواطن البسيط.
إذ منذ انطلقت مشاورات وزارة الداخلية مع الأحزاب حول القوانين التنظيمية للانتخابات القادمة احتدم النقاش، خاصة حول لائحة الشباب والنساء، وتحول إلى شبه صراع وجودي كسر الأغلبية ودفع بحزب العدالة والتنمية إلى تجييش نوابها داخل القبة وخرق قواعد التباعد فقط لمنع تمرير قانون القاسم الانتخابي. في الوقت الذي كان من المفروض أن يصير فيه السؤال الوحيد الناظم لكل هذا الصراع والنقاش هو "ما هو مستوى المؤسسات المنتخبة التي يستحقها المغاربة بعد أزيد من عقدين من الانتقال الديمقراطي"؟ وبعد عشر سنوات على الحراك وعلى خطاب التاسع من مارس الذي عزز إيماننا آنذاك بالاستثناء المغربي في مشهد إقليمي متوتر.
إنه لمن المؤسف أن نلاحظ أن جوهر التنافس الحاصل بين الأحزاب اليوم وبعد أكثر من عشرين سنة عما سمي انتقالا ديمقراطيا، لا يزال رهينا بمنطق توزيع الترشيحات وليس بنوعيتها ولا أهليتها للدفع بهذا الانتقال إلى الوصول أخيرا. إذ أن النقاش الذي شهدناه البارحة حول احتساب القاسم الانتخابي لم يكن نقاشا يستهدف الرفع من نسبة المشاركة في الانتخابات، ولا نقاشا يأخذ بعين الاعتبار مبدأ التعددية والتداول، ولا حتى نقاشا يؤطره مفهوم الديمقراطية الذي انفضح اختلافنا الكبير في استيعابه وممارسة الآليات الكفيلة بتحقيق صيغته الأقرب إلى الموضوعية، بقدر ما كان صراعا مفضوحا حول الكراسي وامتيازاتها.
حتى على مستوى لائحة الشباب التي أثار إلغاؤها ردود فعل متباينة وسط الشبيبات الحزبية، لم يدر النقاش حول الكفاءة أو الفاعلية أو حتى الحصيلة، كان فقط مناداة بالإبقاء عليها دون اقتراح آليات أو صيغ تكبح منسوب الريع اللصيق بها، اللهم ما كان قد طرحه أمين عام حزب الآصالة والمعاصرة في بداية المشاورات بجعلها لائحة للكفاءات تروم إيصال الأطر الوطنية التي ليست لها قدرات انتخابية إلى قبة البرلمان للرفع من مستوى النقاش التشريعي داخل المجلس. إلا أن رفض هذه الصيغة من طرف معظم الأحزاب دون محاولة التفكير فيها لتكييفها قانونيا أو تطويرها يطرح التساؤل حول اهتمام أحزابنا بنوعية الترشيحات التي ستقدمها أو بمستواها الفكري.
إن فراغ قبة البرلمان أثناء بعض المناقشات التي تمس المعيش اليومي للمواطن المغربي، والتصويت على بعض القوانين التي ترهن مستقبله الاقتصادي والاجتماعي بأقل من عُشر البرلمانيين أحيانا في مقابل التجييش والإنزال اللذين شهدناهما البارحة من أجل قانون لا يمس غير مقاعد الأحزاب، ليعد مع الأسف سببا كافيا لدفع المواطنين نحو عزوف أكبر عن الانتخابات وتعميق أزمة الثقة في الأحزاب السياسية. فالتمرين الديمقراطي الهجين الذي شهده البرلمان البارحة من تجييش نواب الحزب الأغلبي وتصويت باقي مكونات الأغلبية الحكومية مع المعارضة ضده، يدفعنا كمواطنين للتساؤل حول الأولويات الحقيقية لبعض الأحزاب وأسباب تحالفاتها ومدى مصداقيتها في الدفاع عن مصلحة الوطن والمواطنين قبل كل شيء. خصوصا بعد سنة وبائية استثنائية يستلزم الخروج من تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية الكثير من الوطنية ونكران الذات والصدق في إيجاد الحلول الكفيلة بالخروج بالبلاد من الأزمة وتجنيبها شبح الاحتقان الاجتماعي. فهل كان هذا الهاجس حاضرا أثناء اشغال اللجنة وفي استعراض العضلات الذي شهدناه البارحة؟
على الأحزاب اليوم أن تعي أن الانتقال الديمقراطي قد طال بما لا يتناسب والآمال التي ارتبطت بدستور 2011، وأنها مجبرة على إعادة النظر في علاقتها مع المغاربة، بعيدا عن منطق الغنيمة. والأجدر بها أن تنصب في النقاش حول كيفية تجويد العملية الانتخابية على جميع المستويات بعيدا عن الحسابات العددية الضيقة التي تحكمها إلى حدود الساعة، وأنها كذلك مطالبة بإعادة النظر في أهلية مرشحيها وكفاءتهم وبراءة ذممهم لتحمل أمانة تسيير الشأن العام. فهو السبيل الوحيد الذي قد يعيد إلى المغاربة الرغبة في المشاركة المكثفة في الانتخابات بعد العزوف الذي عرفته الاستحقاقات الأخيرة. أما وقد غاب هذا النقاش في ما شهدناه البارحة، فإنها مطالبة أخلاقيا على الأقل، بالسهر على تقديم مرشحين يتحملون أمانة تسيير الشأن العام بالحد الأدنى من الانخراط الجاد والمسؤولية الوطنية تجاه الدولة والمغاربة، من خلال تعديل قوانينها الداخلية او تفعيل المراقبة والمحاسبة داخل أجهزتها لأداء المنتخبين ومدى حضورهم وفاعليتهم في المؤسسات التي انتخبوا فيها. إذ أن أهم أسباب العزوف تكمن في القطيعة التنظيمية التي تحصل عامة ولدى الكثير من الأحزاب مع منتخبيها، وبالتالي الانفصال عن المواطنين وعن قضاياهم وحتى عن تنزيل برامجها الانتخابية والتزاماتها أمام المغاربة. فلا يجد المواطن بعد الانتخابات أي مخاطب يتفاعل مع تساؤلاته واقتراحاته وشكاياته. ويحق لنا أن نتساءل هل هناك من حزب في مغرب الدستور الجديد يحاسب منتخبيه عن أدائهم أو يبادر إلى تنبيههم في حال الغيابات المتكررة أو حتى يتفاعل مع شكايات المواطنين في دائرة من الدوائر أو يواكب رؤساء الجماعات المنتمين إليه في تدبيرهم للشأن المحلي للمغاربة؟ أم على خلاف ذلك ينتصر مبدأ "لن نسلمكم اخانا" عوض انتصار المبدأ الدستوري الذي يقرن المسؤولية بالمحاسبة؟
إن التطلع إلى مغرب ديمقراطي جديد وإلى تحقيق تنمية شاملة لا يمكنه أن يتأسس إلا على أرضية نقاش يكون الصالح العام فيها ومصلحة المواطنين أولى من المنطق العددي للانتخابات القادمة. وعلى الأحزاب أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في هذه المحطة حتى لا تعمق الإحساس العام باليأس من العملية الانتخابية ومن السياسة لدى الكثير من المواطنين وخصوصا الشباب. وإذا كان رئيس الدولة قد اقترح سابقا تشكيل حكومة كفاءات لتجاوز أزمة التدبير الحكومي لبعض القطاعات، فإنه حري بالأحزاب اليوم ونحن على أبواب الاستحقاقات أن توقع ميثاق شرف تتعهد فيه باحترام المبادئ العامة للديمقراطية وباحترام منطق واضح لتحالفاتها يفرز أغلبية متجانسة ومعارضة موضوعية، وبالقطع مع الريع والمحسوبية في ترشيحاتها وبتقديم نخبة سياسية كفأة، ثم بمواكبتها تنظيميا ومحاسبتها من خلال فتح قنوات التواصل بينها وبين المواطنين على مدار المدة الانتدابية. غير هذا لن تعدو الاستحقاقات القادمة إلا أن تكون حلقة أخرى تباعد بيننا وبين الدولة الحديثة والديمقراطية التي ننشدها منذ بداية العهد الجديد.