الأربعاء 21 إبريل 2021
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي : حزب العدالة والتنمية يرفع شعار" أنا وبعدي الطوفان"    

عبد السلام المساوي : حزب العدالة والتنمية يرفع شعار" أنا وبعدي الطوفان"     عبد السلام المساوي
الصراحة تقتضي أن يفهم حزب العدالة والتنمية أنه مجرد لاعب سياسي الى جانب لاعبين آخرين ، داخل رقعة ملعب ، وأن تلك اللعبة مصممة بقواعد تضمن للجميع حق التواجد دون تغول من أحد .
 لكن إذا أصبحت الأنانية والاستعلاء وحب السلطة مشاعر تدفع الحزب الحاكم لخرق قواعد اللعبة والمس بالتوازن والتهديد للضغط على المؤسسات غير عابئ بتداعيات ذلك ، هنا فقط ، هنا فقط ينبغي للعبة أن تتوقف ويتم تحذير اللاعب المخل بالقواعد المعمول بها ، وربما اذا استمر في تحديه اللجوء لقرارات قاسية حماية له ، وللجميع .
كلما تقدم حزب أو هيئة أو منبر إعلامي باقتراح سياسي داخل البرلمان أو خارجه ، إلا وانبرى له حزب العدالة والتنمية ليرميه بأبشع النعوت، ويظهر نفسه بمظهر المدافع الشرس عن الدستور والذائد المغوار عن الديموقراطية، وهما منه براء. والحقيقة أن الحزب الحاكم يدافع عن مصالحه المادية والانتخابية ليس الا ، فما معنى أن يهاجم الحزب الحاكم كل من يطالب بتعديل قانوني أو دستوري ؟
لقد تحول هذا الحزب من تنظيم سياسي كباقي الأحزاب الى حزب يلعب دور الوصي على أحزاب " قاصرة " في نظره ، ليس من حقها ممارسة حقوقها الدستورية الا بعد طلب استئذانه . 
هذه النزعة التسلطية التي لم يعد يخفيها " البيجيدي " تنم عن تفكير هيمني، لا يؤمن في عمقه بوجود المؤسسات الدستورية والمساطر القانونية، ولا يحترم أبجديات اللعبة الديموقراطية التي تسمح لكل فاعل بممارسة حقوقه وواجباته ، وفق الثوابت الجامعة للمملكة .
وينسى الحزب الحاكم أنه لولا قاعدة التوازن السياسي التي ظلت تعمل باستمرار طيلة نصف قرن ، لما وجد موطئ قدم في الحياة السياسية اليوم ، ولانتهى بنا المطاف منذ ستينات القرن الماضي للعيش في كنف الحزب الوحيد .
لقد ظلت قاعدة التوازن السياسي ، التي تتجاوز في وظيفتها القواعد الدستورية المعلنة ، صمام الأمان ضد نزوعات الهيمنة الحزبية مهما كانت عقيدتها السياسية ، وفي كل لحظة كانت تتدخل هاته القاعدة الذهبية بنعومة أو صرامة لإعادة الأمور إلى نصابها ، وضمان السير العادي للمؤسسات ، ومواجهة فكر الاحتكار السياسي الذي يريد أن يفرض منهج " لا أريكم الا ما أرى " .
واليوم يريد حزب العدالة والتنمية أن يتحول الى حزب فوق الأحزاب، يملي عليها ما ينبغي أن تفعله وما لا تفعله ، ويرسم لها حدود التحرك المسموح به ، وهو في تحقيق مسعاه يستفيد من خطاب المظلومية والمؤامرة ...
لقد وصلنا الى اللحظة التي ينبغي أن يفهم فيها الحزب الحاكم أنه حزب كباقي الأحزاب التي دبرت الشأن العام في الماضي، وليس أمامه سوى التوافق مع أقرانه في القضايا الخلافية ، أو الخضوع للتصويت الديموقراطي اذا تعذر التوافق ، غير ذلك فهو يلعب بالنار التي قد تحرقه لوحده .
واليوم تبين لنا  أننا أمام ممارسات بشعة وموجبة للتقزز ، من الذين يفترض أنهم أعوان في صيانة الدستور من العبث ، ومكلفون بضرب المثل في أخلاق رجال الدولة .
للأسف الشديد يوما بعد يوم نتأكد أن الحزب ورجالاته لم يكونوا مؤهلين بتاتا لتدبير شؤون دولة لها تقاليد عريقة في الحكم ، لكن القدر السياسي قادهم دون سابق انذار على ظهر موجة " الربيع العربي " لكي يمارسوا حماقاتهم علينا ، في انتظار أن يخضعوا لسنة الجزر السياسي القريبة جدا .
هناك قصة فرنسية وجيزة وجديرة بالاهتمام بطلها رئيس الجمهورية الفرنسية رينيه كوتيه يقدم فيها تمييزا بين رجل السياسة ورجل الدولة ، ففي احدى المناسبات ذكر له أحد وزرائه اسم زعيم بارز من زعماء الحياة السياسية في فرنسا فاستخف به الرئيس الفرنسي به وقال : " انه ليس سوى رجل عادي بسيط من رجال السياسة " . فسأله أحد الحاضرين : ولكن يا حضرة الرئيس ما الفرق بين السياسي ورجل الدولة في رأيك ؟ فأجابه قائلا : الفرق بسيط جدا ، رجل الدولة يريد أن يعمل شيئا من أجل بلاده ، والرجل السياسي يريد من بلاده ان تفعل شيئا من أجله . ولا يكتمل معنى هاته القصة دون استحضار قولة الجنرال " ديغول " حينما قال انه لم يأت لحكم فرنسا لمرتين بالشرعية الانتخابية ، بل استدعاه للحكم نداء فرنسا .
وعشنا اليوم في الجلسة العامة لمجلس النواب المخصصة لتعديل قوانين الانتخابات ، لحظة سياسية فاصلة ، اكتشفنا معدن رئيس الحكومة ؛ رجل سياسة يضع الدولة تحت مصلحة حزبه لربح بعض المقاعد البرلمانية وبعض المناصب الوزارية حتى لو كان ذلك مقابل التعددية الحزبية والتوازن السياسي .
اليوم اتجهت الانظار الى الى السيد العثماني بشأن موقفه من تعديل القاسم الانتخابي ، الذي لم يعد مجرد إجراء انتخابي بل معركة سياسية بين كل الأحزاب السياسية وبين حزب يريد ان يستفيد بالمشهد الحزبي ويملي قراراته على الباقي ، ويضرب بعرض الحائط كل التوافقات السياسية التي أوصلت حزب العدالة والتنمية الى قبة البرلمان وباب المشور السعيد .
لقد أصر رئيس الحكومة على الانتصار لحزبه وتأييد مواقف إخوانه التي وصلت الى حد تهديد المؤسسات والمس بسلامة العملية الانتخابية المحصنة دستوريا .
إن حزب العدالة والتنمية ، حزب مستعد ، في أي لحظة ، لابتزاز جميع المؤسسات دون استثناء ، بطريقة فجة .
حزب يحمل شعار " أنا وبعدي الطوفان " ، و " اما أن أكون بالشكل الذي أريد ، أو لا يكون أحد " .
نحن في هذا البلد يجمعنا حب وطن المغرب، وحب الأمة المغربية ، وهو مسبق على الانتماء العابر لأي " حزب " ، مهما بلغ صوت عويله والصراخ كل الآفاق.
عبد السلام المساوي، قيادي إتحادي/وجدة