الثلاثاء 7 ديسمبر 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (4)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (4) الفنان الموسيقي حسن الزرهوني (يمينا) رفقة الزميل أحمد فردوس

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد وجدنا أن الغزل قد حظي باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم(ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نسوق في الحلقة الأولى مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم(ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي سنحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي و عبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

فهل توفق الناظم/ الشاعر في وصف الحبيبة/ المرأة الفاتنة التي كانت سببا في معاناته، وهل صاغ متونه الشعرية وكلماتها وصورها البلاغية بنفس يعكس حجم عشقه للمحبوبة في زمن غير زماننا، وأسئلة أخرى سنجيب عليها في الحلقات القادمة؟

في الحلقة الرابعة من هذا الملف خصصناها لتفكيك المتن العيطي "تْكَلًمْ اَلْكٌورْ، مْعَ لَفْطٌورْ، فِـ بٌرْجْ اَلنًاظٌورْ"، وشرح مضمونه وحمولته التاريخية الضاجة بأحداث عرفتها حاضرة المحيط، وتصحيح بعض التفسيرات الخاطئة المتداولة، طبعا في سياقها التاريخي ومواقع وأمكنة أحداثها التي يرويها الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على لسانه استنادا على مراجعه ووثائقه التاريخية التي نهل منها زاده المعرفي.

 

بعد تفكيكنا لمتن "بِينْ الجًمْعَةْ وٌالثْلَاثْ، السًكًةْ، حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، وشرح مضامينه وسياقه التاريخي، نمر إلى تفكيك المتن الموالي في قصيدة العيطة والذي قال فيه الشاعر(ة)/ الناظم(ة): "تْكَلًمْ اَلْكٌورْ، مْعَ لَفْطٌورْ، فِـ بٌرْجْ اَلنًاظٌورْ"، لكن قبل ذلك لابد من تسجيل ملاحظة أساسية تتعلق بكون هذا المتن نجد أن بعض الشيوخ يتغنون به في عيطة "شْرِيفِي سِيدِي حَسَنْ"، بل أن من شيوخ العيطة العبدية من يغنيه كذلك حتى في عيطة "الْحَصْبَةْ"، لكن ارتباطا في حقيقة الأمر هو بعيد كل البعد عن وقائع وأحداث تاريخية سجلها المؤرخون خلال النصف الثاني من التاسع عشر . حسب تفسير ضيف الجريدة.

 

"تْكَلًمْ اَلْكٌورْ، مْعَ لَفْطٌورْ، فِـ بٌرْجْ اَلنًاظٌورْ"

إن مضمون هذا المتن العيطي يسجل ويوثق حدث جد مهم في تاريخ مدينة أسفي، وله علاقة موضوعية بالشطر الأول من القصيدة/عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وٌالثْلَاثْ، السًكًةْ، حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، خصوصا على مستوى فترة دخول القوات الأمريكية لأسفي سنة 1942، كما أوردنا في الحلقات السابقة من هذه السلسلة بجريدة "أنفاس بريس".

واستنطاقا لوثائق التاريخ أوضح الفنان حسن الزرهوني قائلا: "في هذه الفترة قامت القوات الأمريكية بإنزال حوالي 108 من الدبابات ليلا، ووفرت لها تغطية عسكرية جوية تجلت في 70 طارئة حربية. وتغطية عسكرية بحرية تمثلت في غواصة "يَاغـْﭫِـي"، حيث أطلق العقل العسكري على عميلة الإنزال اسم "الحجرة السوداء"، وفي نفس السياق قامت حوالي 20 باخرة بمحاصرة ميناء أسفي ليلة 7 نوفمبر 1942 ".

هذه العملية عجلت بإعلان "حالة الطوارئ في صفوف الجيوش الفرنسية على الساعة الثالثة والنصف صباحا استعدادا لأي هجوم من طرف القوات الأمريكية من جهة البحر"، حيث تمت عملية الإنزال في ساحل أسفي وتحديدا في "جرف ليهودي" على بعد حوالي 10 كلم من المدينة في اتجاه الصويرية لقديمة لتدعيم هذا الإنزال في الميناء .

 

وأضاف الزرهوني موضحا "حوالي الساعة الخامسة والنصف وتحت جنح الظلام، تسللت المطاردة (بيرناندو) تدريجيا للدخول إلى الميناء، فاصطدمت بقصف القوات الفرنسية التي استخدمت مدافعها في اتجاه الميناء الشمالية (حيث يوجد حاليا الميناء التجاري)، ولم يتمكن الجيش الفرنسي من اتخاذ مواقعه الاستراتيجية للرد على الهجوم الأمريكي" على اعتبار أن الجيش الفرنسي كان "متفرقا وموزعا، و كان الجزء الأكبر من قواته في ثكنة سيدي بوزيد المعروفة ببرج الناظور. وعلى الساعة السابعة صباحا، أعلنت القوات الفرنسية استسلامها، من بينها (القناصة) المحترفين في الرماية من أبناء مدينة أسفي، بعدما نفذت ذخيرة أسلحتهم".

 

وأكد ضيف الجريدة على أن الحمولة التاريخية التي عبر عنها الشاعر(ة)/ الناظم(ة) في المتن العيطي "تْكَلًمْ اَلْكٌورْ، مْعَ لَفْطٌورْ، فِـ بٌرْجْ اَلنًاظٌورْ"، تحيل على ذاكرة القصف وسماع دوي المدفع "تْكَلًمْ اَلْكٌورْ" يعني قصف المدافع الفرنسية المتمركزة في المستودع الدفاعي بسيدي بوزيد للقوات الأمريكية، باعتباره موقعا استراتيجيا، كشرفة صخرية عالية بحوالي (180مترعلى سطح المحيط) تطل على شمال الميناء وعلى جميع الجهات الأخرى البرية، إذ تظهر مدينة أسفي ومحيط الدواوير المتاخمة لها.

 

في سياق متصل حدد الشاعر/ الناظم كذلك زمن القصف مستعملا وجبة الفطور الصباحي كما اعتاده المغاربة، حيث أشار إلى توقيت "مْعَ لَفْطٌورْ" أي توقيت بداية المواجهة الحربية بين الجيشين والتي كانت تحديدا على الساعة الخامسة والنصف فجرا، مع بداية بزوغ الفجر، وليس معناه كما يذكر البعض فطور وجبة رمضان بعد آذان المغرب.

 

وبخصوص "بٌرْجْ اَلنًاظٌورْ" فهو البرج المتواجد قرب الثكنة العسكرية للقوات الفرنسية بسيدي بوزيد، وهو معلمة أثرية تاريخية قديمة شيدها البرتغال سنة 1510، بعد احتلالهم لأسفي سنة 1508، نظرا للموقع الاستراتيجي لسيدي بوزيد باعتباره أعلى نقطة من حيث التضاريس الساحلية، وسمي بـ "اَلنًاظٌورْ" لاستعماله من طرف البرتغاليين لغرض مراقبة تحركات القبائل المحيطة بواسطة منظار كبير الحجم، خصوصا قبائل أولاد زايد الذين تسببوا للاحتلال الأجنبي في عدة متاعب . وعلاقة بالاسم ففي تلك الفترة كانت الساكنة تردد بكثرة كلمة "اَلْمِنْظَارْ" كآلية للمراقبة اليقظة، و التي تحولت دون قصد إلى كلمة "اَلنًاظُورْ" التي تتقارب وتتشابه في النطق مع كلمة "اَلْمِنْظَارْ"، ومن تمة التصق الاسم بـ "بٌرْجْ اَلنًاظُورْ".

 

وكانت فرنسا قد شيدت في واجهة البحر، بالقرب من برج المراقبة المذكور، منارا لإرشاد السفن البحرية الفرنسية. هذا المنار كان يسلط ضوءا أحمر للسفن التي تقترب من اليابسة لكي يعرفوا أنهم قد وصلوا للساحل البحري وأن هناك خطر، وفي الجانب الآخر منه هناك ضوء أخضر ينبه السفن لتتبع الطريق الآمن والصحيح الذي يجب سلوكه، وعند دورانه على مدار 360 درجة، يطلق المنار أربعة أضواء كرمز سري استعمله المحتل الفرنسي في إشارة إلىSafi .

 

"بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ الرْيٌوسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"

يحيل المتن الشعري "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ الرْيٌوسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"، في عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُالثْلَاثْ" على نفس الفترة والطرفية التاريخية التي دخلت فيها الجيوش الفرنسية بعد الحماية سنة 1911، وهو لا يخلو من أهمية دينية واجتماعية واقتصادية، بل أن الشاعر/الناظم، جسد من خلاله أحداثا بالغة الأهمية في تاريخ مدينة أسفي.

لذلك وقبل إخضاع متن "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ الرْيٌوسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"، لعملية التفكيك والتشبيه، لابد من التعريف بالولي الصالح الشيخ أبو محمد صالح الماجري، والإجابة عن سؤال: لماذا لقبه ذات الشاعر في المتن العيطي بـ "رَايْسْ اَلرٍيَاسْ"؟ وهل له علاقة بالبحر كما يفسر البعض أم أن هناك أمورا أخرى ارتبطت بشخصية هذا الشيخ العالم الجليل؟ وما المقصود من "قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"؟