السبت 8 مايو 2021
فن وثقافة

على ضفاف "مدارات" التهاني.. الشاعر عبد اللطيف بنيحيى يبوح بأسرار "أعاصير الحزن والفرح"

على ضفاف "مدارات" التهاني.. الشاعر عبد اللطيف بنيحيى يبوح بأسرار "أعاصير الحزن والفرح" عبد اللطيف بنيحيى (يمينا) وعبد الإله التهاني

كانت حلقة ليلة الثلاثاء 16 فبراير 2021، من برنامج "مدارات"، حلقة استثنائية بكل المقاييس في حضرة رجل الإعلام الإذاعي بمدينة البوغاز، صوت برامج إذاعية محفورة في الذهن والقلب، مثل "صور من البادية" و"صباح الخير يا بحر" و"للثقافة أخبار"، و"لسان حال البسطاء"، الشاعر والأديب عبد اللطيف بنيحيى، الذي حل ضيفا على زميله الإعلامي عبد الإله التهاني على ضفاف "حوار في الثقافة والمجتمع" للتواصل مع المستمعات والمستمعين عبر الأثير، والبوح بعشقه لـ "رباعيات المجذوب"، والنبش في سيرته الذاتية الروائية والقصصية التي تحكي تفاصيل ذاكرة الحياة في كنف أسرة متواضعة ببساطتها بين دروب المدينة وشخوصها وأحيائها في علاقة مع أبواب زواياها وكتاتيبها ومدرستها العمومية التي أنجبت هرما سجل حضورا رائعا في المشهد الإعلامي والثقافي داخل المغرب وخارجه.

 

استهل معد ومقدم البرنامج الزميل عبد الإله التهاني تعريفه بالضيف قائلا: "نصعد الليلة بالتوقف عند تجربة شاعر مغربي أطل على الساحة الثقافية والإعلامية في عنفوان شبابه، راكم رصيدا غزيرا من القصائد والكتابات، وظل حاضرا في المشهد الثقافي المغربي والعربي، حيث حظي بعدة تكريمات في المنتديات الفكرية والثقافية. هو الشاعر والإعلامي عبد اللطيف بن يحيى الذي أصدر  ديوانه الأول سنة 1973 (أعاصير الحزن والفرح) وهو في عنفوان شبابه، ثم ديوان (الأسوار) سنة 1984، وديوان (إشارات الياقوت) سنة 2019، بالإضافة إلى تجربته في الكتابة الشعرية بالعامية، والرؤية المؤطرة لديوانه القادم (يقول المجذوب)".

 

بساطة أسرة مكافحة وحديث عن الطفولة والبدايات

"طفولتي لم تكن عادية.. أسرة كثيرة العدد (10 أفراد)، وأب عاطل عن العمل، وأم تناضل لضمان لقمة العيش"؛ هكذا استهل الشاعر عبد اللطيف بنيحيى حديثه عن زمن الطفولة التي نهلت من ينبوع "الكتاب القرآني في سن الثالثة، ثم المدرسة الحرة بحي المرشان، والتحاقي بثانوية محمد الخامس".

ذاكرته المتقدة شعرا وكتابة ينساب من حكيها لحظات موسم 72/73 بعد التحاق عبد اللطيف بن يحيى بمدينة الدار البيضاء التي سجل فيها حضورا متميزا على مستوى كتابة النصوص الشعرية والنشر في عدة جرائد وطنية (العلم، المحرر، الاتحاد الاشتراكي، البيان، البلاغ...). قراءات البدايات تجلت في إدمانه "على قراءة نصوص الشعر العربي، والرومانسي، والشعر المعاصر.."؛ حيث ارتبطت تجربة الكتابة الشعرية بـ "تجربة الحب الأول، وانعكس ذلك في العديد منها"، وكانت هناك تنبؤات بأن الشاعر القادم يمارس كتابة تتصف بـ "القبض على نبض القصيدة مستقبلا".

 

إدمان من نوع آخر

على أنغام الناي وصوت فيروز الشجي (نسم علينا الهوى) كفاصل موسيقي يليق بلحظة اللقاء الثقافي، على اعتبار أن الضيف خبر موسيقى وأغاني الشعوب... استرجع عبد اللطيف بن يحيى قراءاته التي صنعت حسه الأدبي، حيث قال: "أدمنت ما شاء الله أن أدمن على قراءة القصة القصيرة لكتاب من أمثال يحيى حقي ويوسف إدريس، كنت مرتبطا بالقصة القصيرة، والأعمال الروائية العالمية في الأدب الروسي منذ الأسماء الأولى التي تشكل منها جنس الرواية الروسية، فضلا عن ارتباطي بالأدب الأمريكي لأنه أدب مرتبط بالمغامرة، وتوظيف البحر في العمل الروائي (العجوز والبحر...) وأعمال أخرى". موضحا بأن قراءاته الشعرية كانت قليلة.. "باستثناء عشقي للشاعر بدر شاكر السياب، وتجربته المرة التي اجتازها بعد أن هده المرض... وقراءات شعرية لأدباء مصريين من أمثال المعطي حجازي ومحمد علي طه..". ليخلص إلى "إدماني على قراءة الرواية والقصة يفوق بكثير ارتباطي بالشعر".

"وجدتني أكتب في القصيدة العامية، لا أسميها زجلا، أنا متحفظ من هذه التسمية.. (أعاني منها هذا التجاذب بين الفصيح والعامية) كنت أبعت ببعض النصوص الشعرية للإعلامي عبد الجبار السحيمي للنشر في جريدة العلم، لكن كانت هناك بعض الأصوات التي لا ترحب بالكتابة بالعامية..."، يقول صاحب برنامج "صور من البادية". لذلك أكد عبد اللطيف بن يحيى على "وجدتني أحاول أن أتنصل من العبارة لمعانقة الإشارة"؛ مستحضرا مقولة "عندما تتسع الرؤيا تضيق العبارة".

 

الوطني عبد الله إبراهيم وأعاصير الحزن والفرح

بخصوص ديوانه "أعاصير الحزن والفرح" الذي كتبه في عنفوان شبابه قال بنيحى: "لا أخفيك سرا، هذا العمل كان من اقتراح وإلحاح الراحل السي عبد الله إبراهيم" الذي قضى برفقته "سنتين من أبهى وأجمل مراحل حياتي، كنت أزوره في بيته وألتقي بزوجته الفاضلة فاطمة السنتيسي". ويتذكر ضيف "مدارات" زمن إصدار جريدة المحرر (عبد الرحمن اليوسفي ولفقيه البصري) خلال تلك الفترة الزاهية، قائلا: "عشت في المطبعة طول النهار لإنجاز العدد الذي كان يصدر كل يوم خميس، وكان المرحوم السي عبد الله إبراهيم يسهر ليلة الأربعاء إلى وقت متأخر، ولا ينصرف إلى بيته إلا وهو مصحوب بجريدة المحرر"

لقد ألح المناضل السي عبد الله إبراهيم على عبد اللطيف بن يحيى بأن "أجمع قصائدي التي نشرت على صفحات الجرائد الوطنية وأطبع ديواني (أعاصير الحزن والفرح)، وفعلا طبعت 5000 نسخة من الديوان عملت على توزيعها على الرفاق في منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لكي تستفيد من مداخيلها.. لكنني لا أتوفر اليوم على أي نسخة منها"، في هذا السياق أضاف الشاعر عبد اللطيف بن يحيى قائلا: "قصائد الديوان تناولت فيها مواضيع ترتبط بقضايا ومشاكل الوضع العالمي (حرب الفيتنام)".

 

تجربة عجيبة ومتميزة

عن تجربة تسجيل الشعر بأصوات كتابه سنة 1984، رفقة محمد الريسي الذي "أبرز قدرته الإبداعية باختياره قطع موسيقية تناسب كل قصيدة على حدا" يعتبرها عبد اللطيف بن يحيى "تجربة عجيبة ومتميزة"، رغم أنها توقفت مع الشاعر عبد الله راجع والشاعر بنيس بعد تسجيل أشعار أحمد طريبق وأحمد الجوماري وعبد اللطيف بن يحيى "التجربة انتشرت بكيفية واسعة، لكنني لا أتوفر اليوم على أي نسخة من التسجيل"، في سياق متصل شدد نفس المتحدث على أهمية "تطوير التجربة خصوصا بالنسبة للشعر العامي من أجل أن يسمعه المتلقي عوض أو يقرأه على الورق .."

 

شاعر التهمته الإذاعة

بخصوص تباعد فترات النشر وإصدار دواوينه أفاد عبد اللطيف بن يحيى بأن "تجربتي تختلف، لأنني كنت في أوج عطائي الإذاعي.. الإذاعة التهمتني، وهذا من بين العوامل الأساسية..37 سنة من المهنة ليل نهار، وتغطيات إعلامية داخل وخارج المغرب لا تترك لك فرصة للكتابة"، حتى أنه كاد أن يقول "أحس بأن النشر هو عاملا ذاتيا قبل أن يكون موضوعيا"، على اعتبار أن "الشعراء (الزوينين) لم يصدر لهم سوى ديوان واحد مثل محمد الخمار وأحمد المجاطي... يجب أن يتوقف النقاد عند ظاهرة الإسهال في النشر".

 

تجليات إشارات الياقوت

عن تجلياته في "إشارات الياقوت" اعتبرها الضيف صراحة بأنها "تحولا عميقا بعد الفاجعة، تحمل إشارات رحيلها الفاجع، وجدتني أعبر عن مجموعة من التجليات.. هو تجليات وليس ديوانا شعريا.. وانغمرت في الكتابة دون أن أكون مستعدا.. وجدتني أعبر بما قل من الكلام وبطريقة مختلفة.."، واستطرد المتصوف عبد اللطيف بن يحيى قائلا: "لا أخفيك، كل شذرة من هذه التجليات كنت أكتبها في لحظة الغلس قبل آذان صلاة الفجر.. أستيقظ قبل الفجر وأتوضأ لأصلي خاشعا"، هذا العمل في طبعته الأولى صدر منه للشاعر "500 نسخة نفذت في ظرف وجيز، واستدعيت لتوقيعه في مدن أزمور والجديدة و خنيفرة و طنجة و فاس والدار البيضاء..." لكنه لا يفكر في طبع نسخة ثانية

 

الشاعر المتصوف وبكائية محمد شكري

"أنهل من ينبوع التصوف، أجد راحتي في مرتفع جبل العلم، وأحس بأن المرتفعات ملاذي الروحي"، وبإحساس الزاهد يقول "ترك جدي كتابا مهما عن التصوف (سبحة العقيق) كتاب ضخم ومذهل يتجاوز 600 صفحة"، واسترجع ذاكرته الطفولية بألق الإنسان الذي تربى في أحضان الزمن الجميل، الباحث عن طمأنينة الروح "جدي هو من أطلق علي اسم عبد اللطيف" تيمنا بشعار "اللطيف" الذي كان يردده المغاربة خلال فترة الاستعمار.

الإعلامي عبد اللطيف بن يحيى يعتبر أن كتاباته بالعامية راجحة عن كفة كتاباته بالفصيح، هو عاشق القصيدة العامية التي تنهل من قاموس الملحون وتوظيف لغة ماضي فصيحة أو عامية، معجب بلغة رباعيات الشاعر الجوال والمقصي سيدي عبد الرحمن المجذوب التي حاكاها في أشعار ديوانه القادم (يقول المجذوب)، أما علاقته بالموسيقى فتفوق علاقته بالكتابة، كيف لا وهو صاحب برنامج "العالم كيف يغني" وبرنامج "جذور" الذي حاول من خلاله أن يبرز القاسم المشترك في الموسيقى الأندلسية سواء في المغرب أو الجزائر أو تونس (القيروان وتلمسان و فاس وسلا..) لأن الموسيقى الأندلسية تراث موحد رغم تلونه عبر الزمان والمكان.

 

وختم حضوره المتميز على ضفاف "مدارات" التهاني بإلقائه لـ "بكائية محمد شكري" الذي شبهه بـ "ثعلب البراري" الذي لم "يحن رحيلك بعد".