الأحد 24 يناير 2021
كتاب الرأي

الحسن زهور: أسطورة "حمو أنامير" و قضيتنا الوطنية

الحسن زهور: أسطورة "حمو أنامير" و قضيتنا الوطنية الحسن زهور
قد يتساءل القارئ ؛ ما علاقة أسطورة حمو أنامير الأمازيغية بقضيتنا الوطنية؟
نعم له الحق في ذلك، لأن أساطيرنا المغربية لا تدرس في المدارس، فلو درست لناشئتنا إلى جانب تدريس تاريخنا المغربي قبل الإسلام لما رأينا الكثير ممن دوختهم إيديولوجية الشرق القومية منها و الإسلامية يديرون الآن ظهورهم لمصلحة وطنهم العليا مفضلين عليه مصلحة وطن آخر يدينون له بالولاء الإيديولوجي القومي أو الديني.
 ف " الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد" كما قال الشاعر الفرنسي باتريس دولاتور دوبان. 
أسطورة "حمو أنامير" أو "حماد أنامير" الأمازيغية التي رويت لنا و نحن صغار -و ما زالت تروى-  وتشبعنا بتمثلاتها وبقيمها التي تغرس في الإنسان طفلا أو بالغا حب الإرتباط بأرضه و بوطنه. 

 
تتحدث هذه الأسطورة الأمازيغية عن قصة إنسانية و سماوية ربط فيها الحب الأسمى بين "حمو أنامير" الإنسان و انيرت" الملكة السماوية. تحن الملكة إلى سمائها و تترك حمو أناميرا وحيدا يقتله الحب، و بلغ به سمو الحب وجنونه إلى أن يهجر بلده و أمه و اهله ممتطيا  حصانه قاطعا الجبال و السهول و البراري باحثا عمن يحمله إلى السماء السابعة حيث حبيبته، و تيهه و بحثه يجد طائر"العقاب"، و يشترط عليه الأخير أن يضحي بفرسه العزيز عليه ليوصله إلى السماء السابعة. هنا يقف أنامير حائرا بين حب أحبائه في الأرض وحب  حبيبته السماوية، لكن حب من في السماء ينتصر على حب من في الأرض. و بعد مخاطر يوصل العقاب " أنامير" إلى السماء السابعة، فيلتقي مع ملكته و يعيش معها في قصر من قصور الجنة. هنا يقف الزمن في هذه السعادة  السماوية التي يعيشها أنامير، لكن في لحظة ما من لحظات حب الإستطلاع والمعرفة التي تمتلئ "أنامير" الإنسان - مثلما انتاب أمه الأولى حواء التي دفعها حب المعرفة و الإكتشاف إلى أكل التفاحة، فخدمت بذلك البشرية أعظم خدمة، إذ لولا حب المعرفة هذه لما وجدت البشرية على الإطلاق - أطل " حمو أنامير" في ثقب في حديقة القصر، سبق لملكته أن حذرته من الإقتراب منه، فماذا رأى؟ 
رأى تحته الأرض و أمه الحزينة تمسك كبش العيد تنادي على ابنها حمو أنامير باكية، فنزع عمامته فأسقطها علها تصل اليها كعلامة منه، فلم تصل، و أسقط خنجره الأمازيغي " تازيت" فلم يصل، و أسقط جلبابه فلم يصل، إذ ذاك لم يجد بدا من ان يسقط ليصل إلى أمه، لكن هيهات، و هيهات فطول المسافة بين السماء و الارض حال دون الوصول، لم تصل إلى الأرض الا نقطة دم من حمو أنامير. 
العيش في الجنة بنعيمها أبديتها مع حبيبته لم يشغل حمو أناميرعن حب أمه الأرض، لذلك ضحى بالجنة و بحبه  و بنفسه من أجل أمه الارض و من اجل وطنه. فإذا كان الشاعرأحمد شوقي في أحد أبياته الخالدة يقول:
  وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه  في الخلد نفسي.

 
حمو أنامير، لم تنازعه نفسه في  جنة الخلد إلى وطنه فقط ، بل تخلى عن الخلد و عن الحب و عن حياته و وهبها لأرضه و لوطنه، و هذا هو اسمى علاقة تربط الإنسان بالارض و الوطن كما تعلمه هذه لنا الأسطورة.
لتكن هذه الأسطورة درسا وطنيا و انسانيا لهؤلاء المغاربة المهووسين إيديولوجيا بالشرق و بقضاياه على حساب مصلحة وطنهم. ليحمل كل منا نفحة من " حمو أنامير", و لتدخل هذه الأسطورة إلى مدارسنا و مؤسساتنا التعليمية ليتعلم منها وبها ناشئتنا حب الأرض و حب الوطن. فالوطن ليس راية، و لا بطاقة و لا هوية في " الحالة المدنية" إنه انتماء الى هذه الأرض و إلى ثقافتها و حضارتها، و لا مصلحة تعلو على مصلحته و حبه.