الاثنين 27 سبتمبر 2021
فن وثقافة

ثريا جبران.. شتلة طيبة من منابت "درب السلطان" أزهرت نخلة في "قصر السلطان"

ثريا جبران.. شتلة طيبة من منابت "درب السلطان" أزهرت نخلة في "قصر السلطان" ثريا جبران تتوسط الناقد المسرحي محمد بهجاجي(عن يسارها) والمخرج عبدالواحد عوزري. الصورة التقطت في مهرجان طنجة عام 2013
صعود ثريا جبران إلى وزارة الثقافة في حكومة 2007 لم يكن "هدية" مجانية، بل هو استحقاق لشتلة طيبة من منابت "درب السلطان"بالبيضاء. لم يكن طريقها إلى "قصر السلطان" مفروشا بالورود.
كانت ثريا جبران تحمل كل معاني الطهرانية.. لا يمكن أن تحدثك من دون أن تحس بجاذبية تمغنطك كأنها تعرفك ولم تلتقيا ولو مرة. هذه هي ثريا جبران تغمرك بالحب في أول نظرة.. لا تشعر بالغربة معها. حتى عندما تصعد إلى ركح المسرح تفرد لك جناحيها مثل حمامة، تريد أن تحضنك، تتصنّم أمامها وتتوقف أنفاسك… واسألوا من عاش معها "النمرود في هوليود" و"الباتول" و"الجنرال"... كأنه داخل حقل من "الديناميت".. أمامه ليست تلك السيدة الخجولة التي تتورّد وجنتاها حين تخاطبك بابتسامة طافية وصوت واهن، بل طاقة متفجرة وطلقات بارود.. لبؤة تزأر داخل الرّكح تنطّ من مكان إلى مكان وبقع الضوء تلهث وهي تطاردها.
اسمها السعدية قريطيف المسجل في كناش الحالة المدنية في يوم ولادتها عام 1952 بدرب السلطان. لكنّ القليل من يعرف هذا الاسم، حتى الملايين من المغاربة لا يعترفون إلا باسم "ثريّا جبران".. فلا تغضب إذا ناديتها "السعدية قريطيف" ولم تلتفت لك!!
ثريّا جبران اسم يزن جبلا.. ولادة ثانية تعتبرها هي الولادة الحقيقية.. لا يحتاج هذا الاسم إلى طقوس "عقيقة" أو توقيع من ضابط الحالة المدنية.. ميلاد ثريا جبران  على خشبة المسرح البلدي وعمرها لا يتعدى عشر سنوات، وهي مازالت "برعما" قبل أن ينمو وتحفر جذوره عميقا في التراب وتسمو أغصانه. مسيرة النجاح انطلقت من معهد المسرح الوطني بالرباط الذي التحقت به عام 1969، هناك ارتبطت أعمالها الفنية بالبسطاء، وبرعت في أداء أدوار التعبير عن معاناة المحرومين والمهمشين. سفيرة "درب السلطان" تعرف قيمة الانتماء إلى هذا الحي الشعبي البيضاوي المجاور لقصر "السلطان".. كانت مثقلة بإرث رمزي، وبأحلام طبقة اجتماعية أهدت شهداءها. ثريا جبران الابنة الشرعية لدرب السلطان كانت تعرف أن ما يفصلها عن "قصر السلطان" ليس مجرد سور يحاذي الحي الذي تسكنه، بل هو كفاح وعرق واجتهاد وتضحية.
عام 1980 كسرت ثريا جبران "الجوزة" لتخرج "النّواة" هي مسرحية "ديوان عبد الرحمن المجذوب" التي تستعيد تراث الشاعر الصوفي المجذوب، بالتعاون مع الراحل الطيب الصديقي الذي شاركت معه عام 1985 في المسرحية العربية التاريخية "ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ".
لكنّ المنعطف النوعي في مسيرة ثريا جبران هو انضمامها إلى فرقة "مسرح اليوم" وعملها الأول "حكايات بلا حدود"، التي اقتبسها المخرج عبد الواحد عوزري من نصوص للشاعر السوري الراحل محمد الماغوط. 
لم يكن لقاء ثريا جبران بعوزري، المثقل بتجارب مسرحية أكاديمية أوربية، لقاء عابرا، بل كان القدر يخبئ "سعادة" في الأفق، ويفرز "كيمياء" الحبّ، ويخرج الأرواح من غمدها، لينصهر الجسدان في روح لا تصدأ. من ركح المسرح إلى ركح الحياة.. انطلقت مسيرة ارتباط "كاثوليكي" بين ثريا جبران وعبد الواحد عوزري.. لم تنفصل الروح عن الجسدين إلا بقدرة إلاهية اختارت ثريا جبران كي تكون قربانا. 
"الغزوات" المسرحية لثريا جبران، ورسائلها التي كان لها ألم الدبابيس الحادة في العيون، سرعان ما حركت "المستأذبين" الذين اصطادوها على حين غرّة في بداية التسعينات، ونكّلوا بها، في مشهد درامي وهي حليقة الرأس ظل عالقا في ذاكرة المسرح الملتزم بقضايا الشعب. من هنا بلغت الرسالة.. بلاغة مسرح ثريا جبران السياسية.. كل عنوان هو شعلة نار.. من هنا كان تأثير مسرح ثريا جبران أكثر من الأفيون!!  
صعود صاروخ ثريا جبران إلى السماء استحقت عليه لقب "سيدة المسرح المغربي". لم تتوقف الغلّة عن هذا الحد،
إذ حصلت على وسام الاستحقاق الوطني من الملك الراحل الحسن الثاني، وعلى وسام الجمهورية الفرنسية للفنون والآداب من درجة فارس.. 
من يوقف صاروخ ثريا جبران؟ لقد خرج عن مداره.. ليست مجرد نجمة.. إنها ضوء شارد في السماء.
من بين أنجح عروضها المسرحية "أربع ساعات في شاتيلا" (2001).. لكن أقوى حدث في حياتها هو تعيينها وزيرة الثقافة كأول وزيرة فنانة في تاريخ المغرب السياسي بل وفي تاريخ العرب.. 
من يصدّق هذا الخبر؟ 
هي نفسها لم تصدق الخبر.. كأنّه حلم لذيذ لا تريد أن تصحو من نومها كي لا يكون حلما "كاذبا". لكنّه لم يكن حلما أو عنوان مسرحية، بل هو حقيقة. ابنة "درب السلطان" التي طالما حلمت أن تطأ قدماها "قصر السلطان"، ستواجه الملك محمد السادس رأسا، وتلتقط معه صورة تذكارية ومع باقي وزيرات ووزراء الحكومة. حقيبة وزارية لم تسع إليها بلعق الأحذية والمناورات السياسية والدسائس الحزبية، الوزارة هي التي سعت إليها وطرقت بابها، وكانت مفتاحا لتقليدها وسام العرش من درجة قائد عام 2009 من طرف الملك محمد السادس.
صعود ثريا جبران "التراجيدي" يشبه موتها، كان "تراجيديا" بامتياز. مرض السرطان الذي تحرّش بجسدها المثخن بالجراح لم يمهلها طويلا، لم يمنحنا الفرصة لنودّعها كفاية أو لنقرأ على روحها السلام في مثواها الأخير بمقبرة الشهداء. الموت اللعين سرق منا جسد ثريا جبران، لكنّ كل واحد منا يقتسم ذكرى معها استودع "خيول" روحها في قلبه… أنا اكتفيت بابتسامتها البلورية.
حين تبتسم ثريا جبران يتفتّح وجهها مثل حديقة ياسمين.
كل واحد منا أخذ جائزته من طيف ثريا جبران التي سنظل نراها نكاية في السرطان.