الأحد 27 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

المصطفى الفارح: إلى أي حد تسهم تركيا في تحقيق أهداف إسرائيل؟

المصطفى الفارح: إلى أي حد تسهم تركيا في تحقيق أهداف إسرائيل؟ المصطفى الفارح

من أجل فهم ما يقع في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، لا بد لنا من قراءة متأنية في الجغرافيا وفي التاريخ السياسي للفاعلين الرئيسيين في المنطقة منذ بداية القرن العشرين، دون العودة كثيرا إلى الوراء، لأن من شأن هذه العودة أن تحشرنا في طرق ومسالك متشعبة فنتعرض للتيه ونفقد البوصلة ولن نبلغ المقصود .

 

لا جدال في كون الحرب العالمية الأولى غيرت مجرى التاريخ وصنعت خارطة جديدة. اختفت دول وظهرت دول أخرى وتعرضت شعوب للشتات ونجحت أخرى في التجمع والعودة إلى التاريخ بقوة. يمكن اعتبار إنشاء دولة إسرائيل أهم حدث في تاريخ البشرية الحديث، حدث تظافرت جهود القوى العظمى مع الذكاء اليهودي وخيانة الإقطاع العربي من أجل صنعه، وقد لعبت الدولة التركية دورا محوريا باعتبار أرض فلسطين التي أقيمت على أراضيها دولة إسرائيل كانت خاضعة للسلطة العثمانية .

 

- في سنة 1908 سمح الأتراك لليهود بالهجرة إلى فلسطين وشراء أراض بها والاستيطان فيها، لقد كانت مرحلة إعداد وتهييء من أجل فرض الأمر الواقع لاحقا .

- انسحبت تركيا من فلسطين ومن الشرق الأوسط عموما، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، تنفيذا لمعاهدات واتفاقيات دولية مع دول أوروبا وروسيا وأمريكا وتنفيذا كذلك لاتفاقيات سرية مع الحركة الصهيونية .

- سنة 1949 اعترفت تركيا بدولة إسرائيل، بل إنها شاركت في الوساطة الدولية بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948 .

- سنة 1950 اعترفت تركيا بدولة إسرائيل بشكل رسمي .

- سنة 1952 تم تبادل السفراء بين الدولتين...

 

ما يعتبره البعض، اليوم، تحولا في السياسة الخارجية التركية وفي علاقتها مع إسرائيل، ليس في جوهره سوى امتدادا لسياسة قايضت فيها تركيا بمصالح العرب لأجل تحقيق مصالحها القومية. لقد مكن حكم تركيا للشرق العربي وشمال إفريقيا، باستثناء المملكة المغربية، من المعرفة العميقة بالعقلية العربية والدور الحاسم للدين فيها، لهذا لا تتورع من حمل راية الإسلام واستعمال الدين في دغدغة المشاعر العربية والإسلامية عموما، استراتيجية أجادتها تركيا العثمانية طيلة أربعة قرون حكمت خلالها العرب بالنار والدين، تلتها فترة فراغ وتراجع بوصول كمال أتاتورك للحكم وإرساء نظام حكم علماني لم يقنع الأتراك طويلا وانتهى دوره بعد إنجاز المهام المطلوبة منه والتي تتمثل بالأساس في الاعتراف والمصادقة على تقسيم المنطقة وفسح المجال للدولة الحديثة النشأة والقوة الصاعدة إسرائيل لإرساء دولتها وترسيخ أقدامها في المنطقة.

 

يتسلم حزب العدالة والتنمية التركي المشعل لإكمال المهمة على أساس قواعد جديدة تفرضها العولمة والنظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل. على النظام التركي السياسي الجديد القيام بعمليات جراحية مهمة لضمان صحة جسم النظام ولعل أكبر خطر يهدده هو المؤسسة العسكرية صمام أمان تركيا العلمانية  التي يجب ضمان ولائها التام وانخراطها في المشروع السياسي الجديد فشكل الجيش التركي هدفا استراتيجيا للرئيس رجب طيب أردوغان الذي أطلق حملة واسعة للتشهير ببعض قادته الكبار وتلفيق تهم الخيانة بهم ووجد ضالته في الانقلاب العسكري الفاشل، الذي يحيط بظروف إعداده وتهيئته غموض كبير يذهب إلى حد الاعتقاد بلعب حزب الرئيس دورا مشبوها فيه وتقديم القادة العسكريين على طبق من ذهب على مائدة انتقام الرئيس الذي حكم بالإعدام على الكثيرين وأقبر في السجون الآلاف ووجدها فرصة سانحة للتخلص من كل أشكال المعارضة والدفع بالعديد من الشخصيات إلى منافي اختيارية وتحويلهم إلى مطاردين بتهم الخيانة العظمى. آلاف المواطنين من كل أسلاك الوظيفة تم توقيفهم وطردهم ومحاكمتهم في ظروف تفتقر لشروط المحاكمة العادلة. هل يعقل أن تقدم الأغلبية كل المعارضة للمحاكمة؟

 

لقد خلا الجو لأردوغان وأصبح يملك كل مفاتيح الدولة من جيش وامن وقضاء وصار بإمكانه أن يدفع بالجيش  في كل الجبهات وفي كل المعارك:

- تحقيق أهداف حلف الناتو في مواجهة روسيا ونفوذها في سوريا .

- تحقيق أهداف إسرائيل التي يصعب عليها  التدخل المباشر في سوريا والعراق بالنظر لطبيعة الصراع  الإسرائيلي العربي والدفع بمشروعها الاستيطاني نحو مزيد من التقدم .

- التأكد من مدى خضوع الجيش للثالوث الجديد، المخابرات والأمن والحزب، ومستوى جاهزيته  واستعداده لتنفيذ مشروع أردوغان من أجل السيطرة على مصادر الطاقة أو على الأقل ضمان تدفقها لتركيا التي تزداد حاجتها إليها بشكل كبير في ظل النمو المطرد للصناعة والاقتصاد التركي عموما، هذه الطاقة التي لا تبدي دول الخليج استعدادا لمدها بها بشروط تفضيلية كما ترغب تركيا بذلك وهي تبرر وتشرعن بكونها ضامنا للأمن والسلم في المنطقة وللعرب المهددين من قبل اليهود والفرس .

 

يمكن اعتبار التوجه التركي إلى ليبيا نتيجة لفشلها في فرض سياستها وسيطرتها على القرار السياسي والاقتصادي لدول الشرق العربي ولم ينجح تسللها إلى إمارة قطر، من خلال قاعدة عسكرية، في تحقيق أهدافه، ظاهرها ضمان أمن الملاحة البحرية في الخليج وباطنها ضغط وتهديد ضمني لدول المنطقة التي تنظر بعين الشك والريبة للمناورات التركية برا وبحرا ولعملياتها وتدخلاتها العسكرية التي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على الأمن والاستقرار في المنطقة. لقد أصبحت قواتها البحرية والبرية في قطر  على بعد أمتار من السعودية ولها قوات على الحدود العراقية السعودية ومتواجدة بقوة في سوريا وتحالفها مع إسرائيل واقع لا غبار عليه ومع إيران وارد في كل لحظة .

 

لا مناص لدول الخليج وعلى الخصوص الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية من البحث عن حليف إقليمي استراتيجي قوي قادر على المساعدة في كبح طموحات الأتراك وأطماعهم في بترول وغاز المنطقة وتحرشات إيران التي تنتظر الفرصة المناسبة بدورها بدون إغفال التهديد الإسرائيلي الدائم والذي أصبح هيكليا في الصراع القائم بالشرق الأوسط .

 

لم يعد الخطر الأمني داخليا فحسب، كما كان عليه الأمر سابقا، من خلال الأقليات الشيعية المتحالفة مع المعارضة السياسية، ولم يعد اللجوء إلى قوات أمنية أجنبية محدودة، مغربية وغربية، يفي بالغرض، لقد أصبح الوضع أكثر خطورة والتهديد العسكري الخارجي قوي ومفتوح على كل الاحتمالات. من هنا يأتي دور مصر الكبير القريبة جغرافيا بوزنها البشري وقواتها العسكرية الأولى في إفريقيا، هذا المعطى الذي يضع حسابات تركيا في مهب الريح ويعصف بها ويدفع بها للبحث عن حلول بديلة لأزمتها الطاقية ولأزمتها السياسية التي تلوح في الأفق.

 

إن رهان الرئيس أردوغان وأنصاره على الاستمرار في الحكم حتى سنة 2029 وما بعدها يجعله يوظف كل الوسائل والإمكانيات بما فيها النزعة القومية والدينية من أجل تحقيق انتصارات سياسية وعسكرية وهمية يعتقد أنها تجعل منه الرجل الوحيد الذي لا يصلح غيره لحكم تركيا وإعادة أمجادها التاريخية في العالم العربي .

 

لقد نجحت إسرائيل في احتواء تركيا الإسلامية وبفم أردوغان تأكل ثوم الشرق وجعلته يقوم بكل الأعمال الوسخة لفائدتها وتخفيف عبء المواجهة المباشرة وحرب الاستنزاف التي تخوضها ضد العرب منذ 1948 عن كاهلها. لقد تحولت تركيا من دركي البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط في حلف الناتو إلى دولة مستعدة للتحالف مع الشيطان من أجل تحقيق مشاريع توسعية مستحيلة. الردود الأوروبية المحتشمة والحياد الأمريكي والموقف الروسي الغامض يدفعانها إلى مزيد من التهور ومراكمة الأخطاء القاتلة كما حدث بالأمس لصدام حسين والعراق، ستجد تركيا نفسها في مستنقع قد يعيدها سنوات إلى الوراء، ليس على طريق أمجاد الإمبراطورية العثمانية ولكنها ستكون في مواجهة مشروع الدولة الكردية وسيكون عليها الدفاع عن تهم جرائم ضد الإنسانية وإبادة  شعب الأرمن .

 

أمريكا تنظر بعطف إلى إنشاء وطن للأكراد، وأوروبا لا تثق في تركيا قوية بنزعة قومية توسعية، والعرب يجدون أنفسهم مجبرين على التطبيع والتعايش مع إسرائيل.