الاثنين 13 يوليو 2020
في الصميم

بين «ليدك» ومكتب الكهرباء.. السيرة الدموية للمدار الحضري للدار البيضاء!

بين «ليدك» ومكتب الكهرباء.. السيرة الدموية للمدار الحضري للدار البيضاء! عبد الرحيم أريري

في أواسط التسعينات من القرن 20، احتد النقاش بين السلطة المركزية والفاعلين المحليين بالدار البيضاء حول توسيع المدار الحضري، وهو النقاش الذي زاد من فورته الاحتقان السائد آنذاك بسبب غياب موارد مالية تسمح للدولة ببناء المرافق العمومية أو التخلي عن تلك العقارات من جهة، وسبب الحاجة إلى وعاء عقاري قادر على الجواب عن الطلب المسجل في قطاع السكن بالخصوص من جهة ثانية.

 

هذه الأزمة كانت تثار في مقر ولاية الدار البيضاء كلما حل إدريس البصري، الوزير القوي في الداخلية في العهد الماضي، للاجتماع مع المنتخبين والفاعلين الاقتصاديين، بل انتقل صداها إلى ردهات البرلمان في أواخر 1996 عبر السؤال الذي قدمه الفريق الاستقلالي حول الموضوع.

 

ومع قرب انتخابات 1997 سيرفع الاتحاد الاشتراكي، في شخص رئيس بلدية السالمية آنذاك، السيد بناصر المعز، لواء توسيع المدار الحضري للدار البيضاء على اعتبار أن السالمية كانت هي أبشع ظاهرة حضرية بالمغرب، بحكم أنها كانت بلدية، لكن ترابها القروي كان يغطي 90 في المائة من مساحتها الإجمالية، بينما مدارها الحضري لا يغطي سوى 10 في المائة من مساحة السالمية بشكل كان يعيق تدخل الأجهزة المحلية للاستجابة لحاجيات 60 ألف نسمة (آنذاك) تقطن بالسالمية (من مدارس ومراكز صحية ومساجد...إلخ)، على اعتبار أن البناء ممنوع بالمدار القروي، بدليل أن الإعدادية التي بنيت قرب الأوطوروت آنذاك، تم الترخيص لها من طرف السلطات "بشق الأنفس".

 

هذا الوضع سيتفاقم مع بروز ظاهرة كاريانات "تقلية" (لمكانسة بالاسم الإداري) و"الشيشان" (الهراويين بالاسم الإداري) بالعاصمة الاقتصادية، حيث انتفخت ضاحية الدار البيضاء بالكاريانات والبناء العشوائى على طول الخط الفاصل بين مدارها الحضري ومدارها القروي.

 

وفي أواخر التسعينات (تحديدا يوم 19 فبراير 1999) سيصل السجال حول توسيع المدار الحضري للدار البيضاء إلى ذروته، إذ ترأس إدريس البصري وزير الداخلية آنذاك اجتماعا مع المنتخبين في العاصمة الاقتصادية بمقر عمالة بنمسيك وصاح فيهم بقولته المشهورة: "مدار الدار البيضاء مدار موضوع من طرف القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ولن يفوت المدار الحضري بمتر رغم الضغوط القوية التي تأتي من جميع الأطراف وأنتم تعرفون كتمان السر الذي تتميز به وزارة الداخلية وسنقف أمام كل متدخل بغا ينزل بنا لي ما فيهش مصلحة الدار البيضاء".

 

هذا الحزم الذي واجهت به الدولة مخاطبيها قاد إلى تهدئة السجال مؤقتا، على اعتبار أن وفاة المرحوم الحسن الثاني ستترتب عنها تغييرات في الهندسة الترابية والحكومية، تجلت بالأساس في النقاشات التي فتحها كل من إسماعيل العلوي، أمين عام حزب التقدم والاشتراكية، ومحمد اليازغي وزير إعداد التراب الوطني في حكومة اليوسفي، حول التقطيع الجماعي والحاجة إلى إحداث رجة في تقطيع الدار البيضاء على هامش استعداد المغرب للدخول إلى تجربة وحدة المدينة عام 2003. ذاك النقاش فتح شهية المتتبعين للمطالبة بفتح ورش المدار الحضري للدار البيضاء على اعتبار أن هناك تلازما بين نجاعة التقطيع الجماعي وتغيير المدار الحضري. إلا أن هذه الدعوة لم تحظ بالإجماع، مما حذا بالمشرع إلى اعتماد تقطيع جديد للدار البيضاء (تقطيع انتخابي وجماعي وترابي) بدون إحداث تغيير في المدار الحضري.

 

لكن تجربة ست سنوات من نظام "وحدة المدينة" عقب تطبيقه عام 2003، جعلت الأمور تنضج لدى صانعي القرار ليبادروا إلى دراسة جديدة لمراجعة المدار الحضري للدار البيضاء. هذه الدراسة تزامنت آنذاك مع تهييء المخطط المديري للتهيئة الحضرية للدار البيضاء (SDAU)، حيث حصلت القناعة لدى كل الأجهزة العمومية بوجوب إجراء تعديل جزئي في مدار المدينة ليصبح حده الفاصل هو الأوطوروت (أو المدار الجنوبي الغربي) المعروف باللغة الفرنسية باسم la rocade sud ouest. بدل شارع عبد القادر الصحراوي كما كان محددا في مرسوم 1971.

 

وهو ما توج بالمباركة الملكية للمخطط يوم 21 أكتوبر 2008 بإضافة 13 كيلومترا إلى مدينة الدار البيضاء وتسطير الطريق السريع كحاجز بين المدار الحضري والمدار القروي للبيضاء.

 

الآن وقد مرت عشر سنوات على توسيع المدار الحضري للدار البيضاء، يحق للمتتبع التساؤل عن حجم الاستثمارات العمومية المنجزة بهذا الشريط الضاحوي، وكذا التساؤل عن نجاعة مقاربة الإنصاف المجالي والسكاني لتخفيف حدة الفوارق بين المجالات البيضاوية المثقلة بالأعطاب والاختلالات، خاصة وأن هذه الضاحية حظيت باهتمام رسمي تجلى في مباركة الملك محمد السادس لكل القرارات والمشاريع المقدمة والموقعة أمامه، التي تروم ردم الهوة وجر ضاحية البيضاء إلى "السميك الحضري" المطلوب".

 

لو استحضرنا مثالا واحدا، الذي تطرقنا له عدة مرات (ملف عدم تفعيل اتفاقية ملائمة خدمات الماء والكهرباء بضاحية البيضاء الموقعة أمام الملك عام 2014)، سنقف على حجم الخيبة، وعلى أن المدار الحضري للدار البيضاء تم توسيعه بالدم والنار فوق جثث البيضاويين لينعم بالغلة حفنة من النافذين فقط!